المنهل التربوى

منتدى المنهل التربوى
إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى نتشرف بتسجيلك والانضمام لأسرتنا
أو سجل دخولك لو أنت عضو بالمنتدى وشارك معنا
كن إيجابيا وفعالا ........بعد التسجيل ضع موضوعا تفيد به أو ردا تشكر صاحبه عليه
مرحبا بك زائرا ومتصفحا لكى تتمكن من المشاركة والحصول على أفضل خدمة يجب أن تسجل دخولك سجل من هنا
مع تحيات قطاع الشرقية التربوى
المنهل التربوى

منتدى تربوى متنوع لسان حال قطاع الشرقية التربوى

/ عام جديد وعلى عملكم شهيد فاستبقوا الخيرات اللهم انصر اخواننا فى سوريا وعجل لهم الفرج والعافية / الإخوان المسلمون والحرية والعدالة يدشنان حملة معا نبنى مصر احتفالا بالثورة

المواضيع الأخيرة

» الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
الأربعاء يناير 30, 2013 7:34 pm من طرف Admin

» حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
الأربعاء يناير 30, 2013 7:27 pm من طرف Admin

» وسائل التربية عند الإخوان المسلمين
الأربعاء يناير 30, 2013 7:22 pm من طرف Admin

» السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث الدكتور علي محمد الصلاّبي
الأربعاء يناير 30, 2013 7:17 pm من طرف Admin

» مواقف من حياة المرشدين
الأربعاء يناير 30, 2013 7:09 pm من طرف Admin

» منهاج حسن البنا بين الثوابت والمتغيرات
الأربعاء يناير 30, 2013 7:04 pm من طرف Admin

» المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .. ولماذا ؟
الأربعاء يناير 30, 2013 6:59 pm من طرف Admin

» مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة
الأربعاء يناير 30, 2013 6:54 pm من طرف Admin

» مجموعة الرسائل للامام حسن البنا
الأربعاء يناير 30, 2013 6:47 pm من طرف Admin

تصويت

مارأيك فى قرارات الرئيس وعزل النائب العام ؟
100% 100% [ 1 ]
0% 0% [ 0 ]
0% 0% [ 0 ]
0% 0% [ 0 ]

مجموع عدد الأصوات : 1

حوض اسماك


    الهجرة النبوية (مقالات مختارة )

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    الهجرة النبوية (مقالات مختارة )

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة نوفمبر 16, 2012 10:47 pm

    تأملات في الهجرة النبوية وعلاقتها بواقعنا المصري
    بقلم: د. مصطفى شلبي
    الحمد لله الذي لا يفسد عمل المصلحين ولا يصلح عمل المفسدين، الحمد لله القائل: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8))(الحشر).



    وسبحانه وتعالى القائل: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)) (التوبة).



    وسبحانه القائل: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)(التوبة: من الآية 36).



    وقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن، وبيَّن أن هذه الأشهر هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".



    وأكَّد النبي صلى الله عليه وسلم حرمة شهر ذي الحجة، فقال في حجة الوداع: "أي شهر هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهر حرام"، قال: "فإن الله حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا"



    وهذه الأشهر يحرم فيها القتال، كما يضاعف فيها الحسنات وتضاعف السيئات كما تغلظ دية القتيل فيها.



    وقد شاءت إرادة الله أن تجري الانتخابات المصرية في شهرين من هذه الأشهر الحرم ذي الحجة والمحرم، فلنتذاكر جميعًا حرمة هذه الأيام، ولنعلم أن من تقوى القلوب تعظيم ما حرم الله، فلنتقي الله في أعراض بعضنا البعض، ولنتقي الله في دماء بعضنا البعض، ولا يسيغ أحد لنفسه الخوض في عرض أحد من أجل التنافس على مقعد نيابي.



    وها نحن اليوم نعيش في أحد هذه الأشهر الحرم، وهو شهر الله المحرم هذا الشهر الذي نتذاكر فيه مشهد عظيم من مشاهد سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومرحلة مفصلية من حياة أمة التوحيد.



    ولبيان خطورة هذه المرحلة وهذه المناسبة اختارها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب لبداية التأريخ للمسلمين.



    يروى في كتب السير والتاريخ أنه في السنة السابعة عشرة للهجرة كتب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري عامله على البصرة وذكر في كتابه شهر شعبان فرد أبو موسى الأشعري أنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب ليس فيها تاريخ، وقد قرأنا كتابًا محله شعبان، فما ندري أهو شعبان الذي نحن فيه أم الماضي.



    فجمع الخليفة عمر الصحابة وأخبرهم بالأمر، وأوضح لهم لزوم وضع تاريخ يؤرخ به المسلمون، فأخذوا في البحث عن وقعة تكون مبدأ للتاريخ المقترح، فذكروا ولادته صلى الله عليه وآله وسلم ومبعثه ووفاته، لكن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أشار بجعله يوم هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، فراقت الفكرة للخليفة عمر وسائر الصحابة فأرخوا بها.



    واختيار الصحابة رضوان الله عليهم الهجرة وتفضيلها عن مناسبات عظيمة مثل تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم أو تاريخ بعثته أو تاريخ بدر أو أحد أو وفاته صلى الله عليه وسلم دليل على أهمية حدث الهجرة؛ وذلك لأنه تاريخ تأسيس الدولة في المدينة، فأصبح للمسلمين دولتهم على رأسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولها دستورها المدني، أول دستور عرفته البشرية، وهو دستور المدينة، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم تأسيس الدولة ببناء المسجد الذي سيربي فيه أعظم ما تمتلكه الدولة من موارد، ألا وهي الموارد البشرية، ثم كان إنشاء السوق لتكون بديلاً لسوق اليهود التي كانت تدار بالغش والتدليس والربا، فاعتمد النبي صلى الله عليه وسلم سياسة تقديم البديل الاقتصادي الصحيح القائم على الأمانة والقسط، ثم كان تأسيس الجيش الحامي لهذه الدولة.



    وهذا يضع أيدينا على أهمية وجود الدولة ومؤسساتها، ونحن اليوم أحوج ما نكون لإعادة وبناء مؤسسات الدولة بصورة شرعية صحيحة، وبأقصى سرعة فتلك مصلحة الشعب كله بجميع طوائفه وفصائله، إذًا فإجراء الانتخابات لعودة المؤسسة التشريعية والرئاسية والمحليات بأقصى سرعة ليست مصلحة فصيل معين، ولكنها مصلحة الوطن والشعب كله.



    ولنقتطف زهرات من هجرته صلى الله عليه وسلم نستنشق عبيرها
    1- لما أذن الله سبحانه وتعالى لنبيه بالهجرة، أمر الصحابة بالهجرة ولم يسبقهم بالهجرة إلى دار الأمان بالمدينة، وإنما انتظر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى هاجر الصحابة، وظل بين ظهراني الأعداء حتى هاجروا ثم لحق بهم النبي صلى الله عليه وسلم.



    وهنا يضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة لكل مسئول سيتبوأ منصبًا ما في مصر بعد الثورة، أن يكون في المقدمة حين الفزع والشدة، وليكن في المؤخرة حين المغنم، فعلى يد أمثال هؤلاء القادة يصلح الله البلاد والعباد.



    2- لما هاجر النبي صلى الله ودخل المدينة كان عبد الله بن أبي بن سلول سيتوج ملكًا على الأوس والخزرج، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة انصرف عنه الناس، فحمل في قلبه حقدًا كبيرًا على الدعوة، فجعل ماله ووقته وجهده هو واتباعه في حرب مع الدعوة.



    وهذا ما فعله البعض بعد ثورتنا المصرية المباركة، فبعد أن أوشكوا على التتويج فإذا بثورتنا المباركة وبفضل من الله على مصر وأهلها يحبط مكرهم ويفسد مخططاتهم، فآلو على أنفسهم أن يبذلوا كل غالٍ ونفيس لإقامة ثورة مضادة متمثلة في حالة انفلات أمني، ومحاربة للعودة السريعة لمؤسسات الدولة؛ حتى تشيع حالة الفوضى؛ ليكون الأمل الوحيد لعودتهم لصدارة المشهد من جديد، وكذلك أصحاب الأيديولوجيات الغريبة على الأمة المصرية وهويتها، والذين لم يجدوا قبولاً من شعب مصر ما بعد الثورة أيضًا آلو على أنفسهم بذل المال والجهد للتخطيط والمكر حتى لا يهنأ هذا الشعب العظيم بمكاسب ثورته العظيمة، وليعلم هؤلاء جميعًا أن الله الذي أبطل كيد ومكر عبد الله بن أبي بن سلول سيبطل كيدهم ومكرهم، وسيجعل كيدهم في نحورهم.



    3- عبقرية القائد صلى الله عليه وسلم في توظيف الأفراد وفقًا لقدراتهم وإمكانياتهم فها هو علي بن أبي طالب له مهمة تتلاءم مع عمره وشجاعته، وأسماء بنت أبي بكر لها مهمة، وعبد الله بن أبي بكر له مهمة وأبو بكر الصديق رضي الله عنه له مهمة، وخبير الطريق عبد الله بن أريقط له مهمة، وبعد الهجرة وقيام الدولة كان لأبي هريرة مهمة حفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالد بن الوليد مهمة قيادة الجيوش حتى كان يصلي بالناس بالسور القصار، وكان يعتذر للصحابة بأن الخروج للجهاد وانشغاله بالقتال في سبيل الله شغله عن حفظ القرآن، وكان لأبي ذر رضي الله عنه مهمة تتفق مع قدراته وإمكاناته، فلما طلب مهمة لا تتناسب مع هذه القدرات ردَّه النبي صلى الله عليه وسلم ونصحه.



    فعن ‏أبي ذر الغفاري– رضي الله عنه- ‏‏قال ‏قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال فضرب بيده على‏ ‏منكبي ‏ثم قال: "يا‏ ‏أبا ذر‏ ‏إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" رواه مسلم



    والضعف هنا ليس ضعف الأمانة أو التقوى، ولكنه الضعف الذي لا يتلاءم مع متطلبات الولاية والإمارة.



    يقول الإمام ابن تيمية في كتاب "السياسة الشرعية": "إن المعيار الأهم في اختيار الحكام هو (الخبرة) في تولي المناصب و(الكفاءة) وإن هذا أهم من تقديرك لتدينه؛ لأن تدينه لنفسه وكفاءته للناس".



    كل هذا يعطينا الدرس في حسن توظيف الأفراد واكتشاف المواهب والقدرات وتوظيفها التوظيف الصحيح وكذلك الاجتهاد في انتقاء واختيار الأفراد المناسبة للوظائف والمهام والولايات المناسبة فالشخص المناسب في المكان المناسب.



    4- لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، وكان الأنصار قبيلتين كبيرتين: الأوس، والخزرج، وكانت الحروب لا تنقطع بينهما قبل أن يعتنقوا الإسلام، فصالح الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما، ونزع الله من قلوبهم العداوة والكراهية، وحلَّ محلها الحب والمودة والوئام، وبعد أن استقر المهاجرون، وصلح حال الأنصار، بقي أن يندمجوا معًا فيصبحوا أخوة مسلمين، فلا فرق بين مهاجر وأنصاري، لذلك آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فجعل لكل مهاجر أخًا من الأنصار، فأبو بكر الصديق أخ لخارجة بن زهير، وعمر بن الخطاب أخ لعتبان بن مالك، وعبد الرحمن بن عوف أخ لسعد بن الربيع، ولم تكن الأخوة مجرد كلمة تقال، بل طبقها المسلمون تطبيقًا فعليًّا، فهذا سعد بن الربيع الأنصاري يأخذ أخاه عبد الرحمن بن عوف، ويعرض عليه أن يعطيه نصف ما يملك، ولكن عبد الرحمن بن عوف يشكره ويقول له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دُلَّني على السوق، وذهب عبد الرحمن إليه فربح وأكل من عمل يده. (البخاري).



    ولم يقتصر ذلك على سعد بن الربيع بل فعله كثير من الصحابة؛ حتى إنه كان يرث بعضهم بعضًا بناءً على هذه الأخوة، فيرث المهاجر أخاه الأنصاري، ويرث الأنصاري أخاه المهاجر، وظلوا على ذلك حتى جعل الله التوارث بين ذوي الأرحام، وقد أثنى الله-عز وجل- على المهاجرين والأنصار، فقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)) (الحشر).



    إن الذي وحَّد فصائل الأمة فأصبحوا بنعمته إخوانًا يضربون المثل في الحبِّ والفداء والإيثار والتفاني في خدمة بعضهم البعض هو منهج الإسلام، وهو المنهج القادر على توحيد فصائل الأمة؛ لأنه المنهج الخالق للمخلوق، منهج العدالة المطلقة، المنهج الذي تتنزل آياته من فوق سبع سماوات لتبرئة يهودي وإدانة مسلم، كما ورد في سورة النساء (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113))(النساء).



    إن حالة الفرقة والتشاحن والتنافر والتصارع الذي تعيشه الأمة المصرية بل الأمة العربية والإسلامية نتاج الاحتكام إلى مناهج اشتراكية تارة والمناهج الرأسمالية تارة أخرى، فالحل لتوحيد الصف هو أن نعيش في ظلِّ هذا المنهج ثقافةً وسلوكًا وأخلاقًا، ولنستمع لقول الله عزَّ وجلّ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)) (آل عمران).
    مقال 2
    حول معنى الهجرة وفضلها وحظنا منها
    بقلم: الشيخ أحمد حسنين

    عناصر الخطبة:

    1- التعريف

    2- شرط الهجرة

    3- أنواع الهجرة

    4- الثناء على المهاجرين

    5- الهجرة سنة من قبلك من رسلنا

    6- حظنا من الهجرة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.. شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومَن لا غنى به طرفة عين عن رحمته، أشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينا عُميًّا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلفًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلَّم تسليمًا كثيرًا.. أما بعد:

    فالهجرة في اللغة:

    الخروج من أرضٍ إلى أخرى، وانتقال الأفراد من مكانٍ إلى آخر سعيًا وراء الرزق، والمهاجر: الذي هاجر مع النبي وإليه" (1)"والهجر ضد الوصل، والتهاجر التقاطع، ويكون الهجر بالقلب واللسان والبدن، فمن الهجر بالبدن قوله تعالى: (وَاهْجُروهُنَّ فِي المَضَاجِعِ).

    ومن الهجر باللسان قول عائشة- رضي الله عنها- لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليَّ غضبى، أما إذا كنتِ عليَّ راضيةً فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: أجل، والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك" (2) ومن الهجر بالقلب ما جاء في حديث: "من الناسِ مَن لا يذكر الله إلا مهاجرًا" قال ابن الأثير نقلاً عن الهروي: يريد هُجران وترك الإخلاص في الذكر فكأنَّ قلبه مهاجر للسانه غير مواصل له".

    أما شرعًا:

    فقد عرفها الجرجاني: "هي ترك الوطن الذي بين الكفار والانتقال إلى دار الإسلام" (3)وأعم منه ما قاله الحافظ ابن حجر: "الهجرة في الشرع ترك ما نهى الله عنه" (4)، لقوله – صلى الله عليه وسلم: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (5) وهي تشمل الهجرة الباطنة، وهي: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء وما يزينه الشيطان، والظاهرة وهي: الفرار من بالدين من الفتن.

    ثانيًا: شرط الهجرة:

    شرط الهجرة الحقة أن تكون لله تعالى ابتغاء الأجر وطلباًِ للثواب ورفعة للدين، وينبغى أن تجرد النوايا من كل عرض دنيوى كالرغبة في المال أو الزواج أو الجاه؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله: (إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ). قال: كانت المرأة إذا أتت النبي– صلى الله عليه وسلم– حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبةً بأرضٍ عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا لله ورسوله" (6).

    والهجرة تحت أي مسمى غير ابتغاء الأجر ونصرة الدين لا بد أن يكشف أصحابها حتى يميزوا عن المخلصين من المهاجرين. فيعرف فلان أنه مهاجر المال، وآخر مهاجر الزوجة، وآخر مهاجر السلطة.

    وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال ابن مسعود: "مَن هاجر لشيء فهو ".

    ثالثًا: أنواع الهجرة:

    ومن التعريف اللغوي السابق يستطيع أن تقسم الهجرة إلى نوعين لا ثالث لهما:

    الأول: الانتقال من مكان إلى مكان، ويشمل:

    * الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهي أشرف الهجرات وأفضلها.

    * الهجرة من دار الكفر على دار الإسلام، وهذا يختلف حكمها باختلاف الأوضاع.

    * هجرة أهل الذنوب والمعاصي وأهل الأهواء والبدع.

    * الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن فعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله– صلى الله عليه وسلم– يقول: "ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها" (7).

    الثاني : الهجرة إلى الله تعالى ورسوله وهى حقيقة الهجرة ومقصودها وهى تتضمن :

    * هجرة القلب من محبة غير الله إلى محبته ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له، وهذا بعينه معنى الفرار إليه تعالى قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)) (الذاريات).

    * الهجرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون باتباع سننه وتحكيمها والتحاكم إليها وتقديمها على جميع الأهواء والآراء والأذواق ونبذ البدع والمحدثات التي نهى عنها الإسلام.

    وهجر القلب إلى الله بالتسليم والتوكل والخضوع والهجرة إلى الرسول بالاتباع الكامل هما ما يدفعان المسلم إلى ترك دار الكفر والتحول إلى دار الإسلام، وترك الأوطان والإقلاع من الأموال والأولاد والتضحية بكل هذا من أجل الله ورسوله ودينه.

    رابعًا: الثناء على المهاجرين

    لما كانت الهجرة حدثًا فارقًا في حياة الأمم فقد نقل الجماعة المسلمة من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة؛ لذا كانت الهجرة الأولى إلى دار الإسلام الأولى المدينة المنورة واجبة على كل مسلم آمن بالله ورسوله لا يكتمل إسلامه ولا تسلم عقيدته إلا بالرحيل إلى رسول الله والانطواء تحت لوائه.

    ومن أجل أن يكون للمسلمين كيان قوى ودولة فتية ويصبحوا أمةً عظيمة، سلك القرآن الكريم والسنة النبوية أسلوب الترغيب والثناء، وبيان الفضل لمَن هاجر والترهيب والوعيد لم قعدت به همته وضعف عزيمته عن اللحاق برسول الله والفرار إليه.

    أولاً: فضل المهاجرين:
    - أهل لرحمة الله تعالى: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)) (البقرة)، فقد وصفهم الله تعالى في الآية الكريمة بثلاث صفات بالإيمان والهجرة، وهي مفارقة المألوف والمحبوب لرضا الله تعالى فالمهاجر يترك وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقرباً إلى الله ونصرة لدينه.

    الجهاد وهو بذل الجهد في مصارعة الأعداء وقمع دين الشيطان وهو ذروة الأعمال الصالحة وحقيق بمن كان هذا حاله أن يكون من الراجين رحمة الله فقد أتى بالسبب الموجب للرحمة. وإنما قال يرجون وقد رحمهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين أحدهما:

    لا يدرى بما يختم له والثاني: لئلا يتكل على عمله فهؤلاء قد غفر الله لهم ومع ذلك يرجون رحمة الله.

    2- أهل لمغفرته وتكفير سيئاتهم ومحو ذنوبهم: قال تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)) (آل عمران).

    وإضافة الثواب إلى الله ونسبته إليه يدل على عظمته فالله لا يعطي إلا جزيلاً كثيرًا، وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة عملاً ضخمًا يستحق صاحبه محو جميع معاصيه، وأنها تتضاءل وتتصاغر إزاء هذا العطاء الكبير فقال لعمرو بن العاص: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله.

    وعن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى الني صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ قال : حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – للذي ذخر الله للأنصار.فلما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – للمدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا في المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطياً يديه فقال له : ما صنع ربك بك؟ فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه – صلى الله عليه وسلم" (8)

    3- أهل للقدوة لأنهم أهل السبق في الجهاد والهجرة. قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)) (التوبة).

    فالسبق بالهجرة وترك الوطن والمال على الفور استجابة للنداء الإلهي يجعلهم أهلاً لأن يقتدي بهم من جاء بعدهم ويتأس بهجرتهم وجهادهم إخوانهم من أهل الإيمان. فالمهاجرون الأولون هم رؤساء المسلمين وسادتهم. وقد نوه النبي– صلى الله عليه وسلم – أن الأحق بالإمامة في الدين والأجدر في قيادة الناس في عبادتهم وجهادهم السابقون في الهجرة، فقال – صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًّا" (9).

    4- لقد وعد الله تعالى المهاجرين بسعة في الرزق وتمكين في الدين تعويضًا لهم عما فقدوه من الأموال والأوطان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمْ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)) (الحج).

    وقال أيضًا: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)) (النساء).

    قال ابن كثير – رحمه الله – هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه. فالله وعد المهاجر بالسعة في الرزق وبالفرج بعد الضيق والتمكين في الأرض بعد التخفي والحصار. وقال أيضًا: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) (النحل: من الآية 41).

    5- المهاجرون أهل الجنة الأولون الفائزون الخالدون فكما كانوا سابقين في هجرتهم وجهادهم فهم أيضاً أصحاب الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية لا يقدمهم إلى رضوان الله والجنة أحد مهما علا شأنه قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)) (التوبة).

    وفي إيضاح هذه المنزلة يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: "أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: "المهاجرون يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فيقول الخزنة أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب؟ وقد كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك، قال: فيفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس"(10).

    ثانيا: الوعيد والتهديد لمن لم يهاجر:

    1- لقد توعد الله تعالى المسلمين الذين امتنعوا عن الهجرة والفرار بالدين وبالعقاب الأليم ونعتهم بأبشع وصف وهو ظلم النفس.

    2- فقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا" (النساء: من الآية 97)، وسبب نزول هذه الآية الكريمة كما ذكر ابن جرير الطبري عن ابن عباس أنه قال: "كان قوم من أهل مكة أسلموا وكان يستخفون بالإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت: "إن الذين توفاهم الملائكة..."، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم قال: فخرجوا فلحقهم المشركون وأعطوهم الفتنة فنزلت: "9 وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ.... " (العنكبوت:10).

    3- فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا وأيسوا من كل خير ثم نزل فيهم " ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" (النحل:109).

    ولقد كان لهذا العتاب أثره البالغ على من لم يهاجر ودفع بعضهم إلى الهجرة رغم كبر السن وشدة المرض، ولم يروا عذرًا لأنفسهم في القعود في دار الشرك ولم يبحثوا عن رخصة يركنوا إليها فهذا جندب بن خمرة الجندعي لما نزلت الآية: "إن الذين توفاهم الملائكة" قال: اللهم أبلغت في المعذرة والحجة ولا معذرة لي ولا حجة ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مات قبل أن يهاجر فلا ندري أعلى ولاية أم لا؟ فنزلت " وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ" (النساء:100) (11).


    خامسًا: الهجرة سنة من قبلك من رسلنالم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بدعا وحدثًا غير مسبوق بل كانت حلقة في تاريخ الدعوات الصادقة والنبوت الفاضلة.

    فالأنبياء والمصلحون يأبون، أن يعيشوا حياة الضيم ويرضوا بالواقع الذليل ويقبعوا في جو تعد فيه الأنفاس وتحصى فيه الكلمات؛ لأن لهم طبيعة جبلت على الحرية وعشقت الانطلاق والحركة، كما أنهم أصحاب رسالة ودعوة وفي أعناقهم أمانة وفكرة.

    والقيد والظلم يمنعهم من تبليغ الأمانة وتوصيل الرسالة وإنقاذ البشرية من شركها وهدايتها من حيرتها.

    فكان لا بد من الهجرة والارتحال والبحث عن نفوس تقبل الإيمان وعقول تتفهم الإسلام ولنضرب على ذلك بثلاثة أمثلة:

    1- الخليل إبراهيم عليه السلام: إني ذاهب إلى ربى سيهدين.

    منذ نشأ في العراق حيث كان قومه يعبدون الأصنام ولم تفلح دعوته في عودتهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى ولم يؤمن إلا نفر قليل منهم ولم يجد آذانًا صاغية وقلوبًا واعية بل وجد صدودًا وإعراضًا ونال الخليل إبراهيم من الإيذاء ما لم ينله أحد حتى أنهم أوقدوا نارًا عظيمة وألقوه فيها فأنجاه الله منها: " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ" (الأنبياء: 69).

    وبعد هذه الحادثة كانت هجرته هو وزوجته سارة وابن أخيه لوط الذي آمن بدعوته إلى الشام قال تعالى: " فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (العنكبوت:26) وبعث الله تعالى لوطًا رسولاً إلى أهل سدوم في أطراف الأردن، وبسبب هذه الهجرة المباركة رزق الله تعالى الخيل الذرية الصالحة وجعل النبوة في عقبه من بعده قال تعالى: " وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ 71 وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ 72 وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ " (الأنبياء:71،72،73).

    وكانت الهجرة الثانية إلى مصر بعد أن أصاب الشام قحط شديد ومجاعة كبيرة. وكانت معه زوجته سارة.

    وكانت الهجرة الثالثة؛ حيث أخذ إبراهيم زوجته الثانية هاجر ورضيعها إسماعيل إلى مكة فتركهما هناك وعاد بعد أن دعى لهما بدعوة طيبة قال تعالى: " رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (إبراهيم:37).

    وهكذا كانت حياة الخليل المديدة هجرة وترحال ودعوة وجهاد ومفارقة للأوطان وعشقًا للسفر في سبيل الله تعالى: " إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (النحل:120).

    المثال الثاني: موسى عليه السلام: فخرج منها خائفًا يترقب، وكانت هجرته الأولى يوم أن أخبر أن مؤامرة تدار في قصر فرعون لقتله ثأرًا للرجل المصري الذي وكزه موسى فقضى عليه، فخرج من مصر خائفًا إلى صحراء مدين طالبًا للنجاة من القتل، ومكث هناك عشر سنين.

    قال تعالى: " وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ" (القصص:22).

    وكانت الهجرة الثانية من مصر أيضًا فرارًا بمن آمن معه إلى سيناء من فرعون وجنوده وقد نجاه الله تعالى وأغرق آل فرعون: " وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ" (الشعراء:52) المثال الثالث: أهل الكهف: " فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا" (الكهف:16).

    فهؤلاء الفتية الذين آمنوا بالله الواحد القهار وأبوا أن يشركوا معه غيره ولم يجدوا ما ينقذهم من القتل المحقق والحفاظ على دينهم وعقيدتهم إلا مفارقة القوم الظالمين والفرار إلى المغارة والهجرة إلى الله تعالى الذي حبب إليهم الكهف المظلم الموحش القفر إلى مكان تنتشر فيه الرحمة وتملأه السكينة قال تعالى: " وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا"(الكهف:16).

    سادسًا: حظنا من الهجرة.

    تظل الهجرة ذات مدلول واسع وعطاء كبير يتجدد مع كل زمان، كل يأخذ منه بحظ وافر، وأما حظنا اليوم فهو:

    1- لا بد أن يعتقد المسلم أن الهجرة المكانية باقية إلى يوم القيامة، وأنه يرفض حياة الذل ويأبى مقام القيد والسجن، وأن الاحتفاظ بدينه وعقيدته أعز عنده وأكرم من البقاء في وطن لا يستطيع أن يقيم شعائر ربه ولا يملك فيه حريته ولا يأمن فيه على نفسه وماله.

    2- أن يكون المسلم جاهزًا للهجرة من أجل نجدة إخوانه وتخليصهم من قيد الأسر والحصار فالهجرة والجهاد صنوان وتبقى الهجرة ما بقى الجهاد، وقد روى ابن حجر العسقلاني في الإصابة (1/245)، عن أبي الخير أن عبادة بن أبي أمية حدثه أن رجالاً من الصحابة قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد" وإن واجب الهجرة اليوم يتطلب من كل مؤمن نفرة إلى أرض الأقصى الأسير لإنقاذه من يراشن اليهود ودعم أهل فلسطين في جهادهم ومناصرتهم لتحرير أرضهم وحفظ مقدساتهم، وإطعامهم جائعهم وكسوة عاريهم وإقامة دولتهم من النهر إلى البحر ونيل حقوقهم كما نص عليها الدين والقانون.

    وقد روى ابن حجر العسقلاني في هداية الرواة 5/497، وحسنه عن عبد الله بن عمرو العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام وفي رواية فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الله تحشرهم النار مع القردة والخنازير تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا" (12)، ومعلوم أن مهاجر إبراهيم هي أرض الشام أرض الرباط والجهاد.

    3- هجرة أهل الكفر والفسق إن هم عاندوا وأصروا بعد الدعوة والبيان، قال تعالى: "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا".

    وأيضا قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ " (المدثر:5، 4، 3، 2، 1).

    4- الحذر من هجرة كتاب الله تعالى قراءة وفهم وتدبرًا وحفظًا وعملاً وتخلقًا حتى لا يكون ممن قيل فيهم: " وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا" (الفرقان:30).

    5- وليحذر المسلم من هجر ما وصى الله بوصله فلا يهجر أخاه فوق ثلاث فعن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك قالا: "نهى رسول الله أن يجاوز بالهجرة في الكلام ثلاثًا"(13).

    6- أن يعظم المسلم في نفسه أحداث الهجرة الأولى ويوقر ويدعوا للمهاجرين الأولين بكل خير. "9 وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحشر:10).

    7- كما يقتدي بجهادهم وثباتهم وحبهم لدينهم وإيثاره على ما عداه من الأوطان والأموال والأولاد.

    هذا وبالله التوفيق.

    ----------------
    * الهوامش:

    1 - المعجم الوسيط ج2 ص 868

    2 - التوقيف على مهمات التعريف ص 738

    3- فتح الباري ج11 ص 263

    4 - التعريفات ج1 ص82

    5- البخاري انظر فتح الباري ج1 ص53

    6- أخرجه ابن أبى حاتم وابن جرير والبزار

    7 - أخرجه أبو داوود رقم 2482 ، حسنه الألباني في تخريج مناقب الشام وأهله صـ 79.

    8- رواه مسلم رقم 121

    9 - رواه مسلم.

    10- رواه الحاكم جـ2/70 بسند صحيح ووافقه الذهبي

    11 - تفسير ابن جرير جـ4 صـ239.

    12- رواه أبو داوود في سننه وصححه الألباني "رقم 3213 "

    13 - رواه البيهقي في السنن الصغير
    مقال 3
    الهجرة.. وبناء الدولة
    رسالة من: أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه وبعد،

    حينما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة- مهاجرًا من مكة المكرمة- اُستقبِل منذ اللحظة الأولى ليكون إمامًا لأمة، وحاكمًا لشعب، وقائدًا لنهضة، ومؤسسًا لحضارة، إنسانية رفيعة تستمد كل مقوماتها من منهج السماء.. لإنقاذ البشرية كلها وإخراجها من الظلمات إلى النور.



    نعم ظلَّت دعوته الأصلية قائمة واضحةً جلية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)) (الأحزاب).. نبيًّا يُوحَى إليه، ورسولاً يُبلِّغ رسالة ربه.. وأُضيف إليها في المدينة المنورة (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّـهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)) (النساء)، (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ..) (المائدة: من الآية 49)، (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مَمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)) (النساء)، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)) (المائدة).



    لقد آن للنظرية أن تتحقق، وللمنهج أن يُطبَّق، وللدعوة المباركة أن تتحول إلى دولةٍ رشيدةٍ، بكل مقومات الدولة الصحيحة.. لتُخرج للحياة (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..) (آل عمران: من الآية 110)، ولتخرج للبشرية النموذج الصحيح للحياة والإنسانية التي يرضاها رب العزة لخلقه (اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3) (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِني هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى (١٢٣)) (طه).



    وليس أدل على ذلك إلا الاستقبال الحبيب من أهل المدينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد طول انتظار وترقب وشوق.. بهذا النشيد الخالد الذي سجَّله التاريخ بأحرفٍ من نور، وردده الكون كله مع رجال ونساء وفتيان المدينة:

    طلع البدر علينا... من ثنيات الوداع

    وجب الشكر علينا... ما دعا لله داع

    أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع

    إذن.. هو الأمر المطاع والدستور الحاكم، والقانون المتبع، والمنهج المستحب.. هو الشريعة المنظمة لكل شئون الحياة (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨)) (الجاثية).



    أول كلماتٍ قالها الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وسمعها منه أهل المدينة عن بكرة أبيهم: "أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".



    - فأما إفشاء السلام.. فمعناه إشاعة الأمن والأمان؛ فلا يقوم مجتمع ولا تنهض أمة، ولا تنشأ حضارة، ولا يُبدع إنسان.. إلا في ظل الأمن والأمان "كل المسلم على المسلم حرام.. دمع وماله وعرضه".



    - وأما إطعام الطعام: فمعناه توفير الاحتياجات الأساسية لكل أفراد المجتمع، فما ينبغي أن يجوع في المجتمع المسلم أي إنسان- بل حتى الحيوان-.. لأن المجتمع كله يأثم شرعًا بذلك "ليس منا مَن باتَ شبعان وجاره جائع وهو يعلم"، ولا تنفع صلاة ولا عبادة إلا بأداء حق الضعفاء والمحتاجين (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) للسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)) (المعارج)، (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)) (الماعون).



    - وأما صلة الأرحام: فهي تقوية للوشائج الإنسانية، وتدعيم للروابط الاجتماعية، التي بدونها تفقد الحياة أجمل معانيها.. إن الأهل والعشيرة والقرابة والرحم والنسب والمصاهرة تمثل كلها سياجًا عاطفيًّا يعيش فيها المجتمع الحاضر وتنمو فيها الأجيال الجديدة في جوٍّ من الحبِّ والترابط والتعاطف والتآلف.



    - وأما الصلاة بالليل والناس نيام.. فهي ميزة الحضارة الإسلامية الرفيعة السامقة إنها حضارة مرتبطة بالله تعالى.. تستمد منه العون والهدى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)) (الفاتحة)، تذوق من خلالها نعمة الاطمئنان (أَلاَ بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)) (الرعد) (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ: من الآية ١٥)، تطمئن على الحاضر القريب والمستقبل البعيد، على البداية والنهاية والخلود (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ) (البقرة: من الآية ٢٨١)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)) (الانشقاق)، فليس بالطعام فقط يحيا الإنسان.. إن هناك جوعة روحية وظمأ قلبيًّا لا يشبعها إلا الصلة الوثيقة برب الأرض والسماء.



    كانت أولى خطواته العملية صلى الله عليه وسلم بناء المسجد وإصلاح السوق.



    - بناء المسجد: ليكون المنطلق لبناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح رجالاً ونساءً.. صغارًا وكبارًا، وتتحول إحدى الصلوات المفروضة إلى صلاة جامعة يوم الجمعة.. نصفها بيان وإرشاد، وتفصيل وتوضيح ومناقشة لكل ما يهم المجتمع في حاضره ومستقبله.. "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، ونصفها الآخر عبادة مختصرة في ركعتين فقط تربط الصف المؤمن بخالقه ومنشئه وراعيه.



    - وأما إصلاح السوق: لتنتعش الحياة الاقتصادية وترتقي المعاملات المادية، فلا يحتكر القوتَ محتكرٌ، ولا يتحكم في أقوات الناس وأسعار السلع أصحاب الأغراض وأغنياء الحرب ومنتهزو الأزمات.



    وكان من أعظم وأهم خطوات البناء لإقامة الدولة الرشيدة تلك المؤاخاة العجيبة التي جمعت أشتات المجتمع الإنساني كله على اختلاف الأجناس والانتماءات.



    - كان قد آخى- قبل الهجرة- بين أبي بكر العربي القرشي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي.. كلهم إخوة في الله وشركاء في الحياة.



    - ومع وصوله للمدينة آخى بين الأوس والخزرج، وقد كانا فريقين مختلفين متنازعين بينهما حروب وعداوات رغم وجودهما في مدينةٍ واحدة.



    - ثم آخى بين المهاجرين والأنصار في إطارٍ من الحب العظيم (ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة)، على عكس ما يحدث في تاريخ الهجرات الكبيرة حتى سجَّلها القرآن الكريم كنموذجٍ فريدٍ غير مسبوقٍ للسماحة الإنسانية حين يحدوها الإيمان بالله (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مَمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)) (الحشر).



    - ثم أعلنها مؤاخاةً إنسانيةً جامعةً تجمع حتى المخالفين في الدين والعقيدة، فعقد المعاهدة تلو المعاهدة مع يهود المدينة، وأعلن الميثاق الخالد الذي تشرف به الإنسانية "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".. غير أن اليهود بادلوه بالغدر والخديعة ونقض العهود وإشعال الحروب.



    - استقبل وفود العالم وراسل قادة الأمم ودعاهم إلى مبادئ إنسانية عالية، مذكرًا إيَّاهم بعهدهم مع أنبيائهم ووصايا الأنبياء السابقين إليهم.



    هذه هي الخطوات المباركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبناء أعظم دولةٍ عرفها العالم وشهد لها التاريخ.. وهي الخطوات التي نترسمها الآن ونحن نعيد بناء أمتنا من جديدٍ بعد عقود من التيه والضياع.. نعود لنستلهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته الشريفة وإقامة دولته الفريدة عبقرية البناء.. المؤيدة بوحي السماء.

    والله أكبر ولله الحمد.
    سيد الرسل محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن بكل وضوح، ويؤكد بلا أدنى شك أن الناس سواسية، وكلهم يخضعون للقانون والشرعية، لا فرق
    مقال 4
    أحداث سبقت الهجرة.. ودروس مستفادة
    بقلم: د. جمال حامد محمد
    الهجرة من سنن الأنبياء عليهم السلام، والهجرة النبوية تتعلق بترك الوطن إلى موطن آخر ابتغاء مرضاة الله. حاول سادة قريش صرف سيدنا محمد (ص) عن دعوته والوقوف في وجه هذه الدعوة رغم قناعتهم بصدق رسالته. ومن ثم استخدموا كل أساليب الإغراء والتهديد والتكذيب والإيذاء له ولأتباعه والحصار الاقتصادي والاجتماعي. وكان لا بد أن تجد الدعوة حاضنة لها في بلد آخر، ومن ثم كانت الهجرة، فترك المهاجرون أموالهم ومساكنهم وتحملوا المشاق فرارًا بدينهم. ويعتبر المهاجرون أهل السبق في تأسيس دولة الإسلام. وتعتبر هجرته صلى الله عليه وسلم حدثًا مفصليًّا في أسبابه ودلالته وآثاره. والمقال الحالي يتناول بعض الأحداث السابقة للهجرة من زاوية التجهيز والتخطيط للهجرة، ومن ثم نؤكد على بعض الدروس المس
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    تابع المقالات المختارة

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة نوفمبر 16, 2012 10:57 pm

    ومن ثم نؤكد على بعض الدروس المستفادة.

    لما اشتد أذى الكفار للمسلمين نصح النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكًا عادلاًً لا يظلم أحدًا، وهذا الملك النجاشي كان نصرانيًّا. وكان ملكًا كريمًا. وقد هاجر أحد عشر رجلاً وأربع نسوة في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة، وهذه سميت بالهجرة الأولى للحبشة. وبعد وقت قصير سمع المهاجرون أخبارًا بأن أهل مكة أسلموا، فعادوا إلى مكة. وفوجئوا بأن الاضطهاد والتعذيب أشد. فأشار عليهم النبي- صلى الله عليه وسلم- بالهجرة مرة أخرى إلى الحبشة. وخرج في الهجرة الثانية نحو ثمانين رجلاً، وعشرين امرأة. وأرسلت قريش اثنين هما (عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة) قبل إسلامهما لكي يقنعا النجاشي بطرد المسلمين. وفشلت تلك الخطة وطرد النجاشي وفد قريش. وقد أسلم النجاشي سرًّا وصار المسلمون في أمان في بلاد الحبشة ينشرون الدعوة هناك. وعندما مات النجاشي صلى عليه النبي صلاة الغائب. وتمثل هجرة الحبشة تجربة واقعية لتدريب المسلمين على الهجرة وترك الوطن فترات أكبر، فضلاً عن تخفيف العذاب والإيذاء عن المهاجرين.



    ومما يدل على اهتمام الرسول بالتخطيط طويل المدى، أنه كان يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج. وعقد مع وفد من يثرب "بَيْعَة العقبة الأولى" في العام الثاني عشر بموجبها يقوم هذا الوفد بنشر الإسلام في قومهم. وأرسل معهم النبي سفيرًا هو مصعب بن عمير يعلمهم القرآن الكريم. وفي العام الثالث عشر من البعثة النبوية عقد الرسول "بَيْعَة العقبة الثانية" مع وفد من المدينة مكون من ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين من قبيلتي الأوس والخزرج، بايعوا الرسول على تأييده في دعوته وأن يَحْمُوه كأبنائهم وإخوانهم عند هجرته للمدينة. وبذلك أصبح لدى الرسول وطن آمن للهجرة ينشر منه رسالة ربه عز وجل. وكانت بَيْعَتا العقبة تمثلان حجر الزاوية في تهيئة الجو الاجتماعي والسياسي بالمدينة لاستقبال وإيواء المهاجرين. كما أن بَيْعَتي العقبة تمثلان تدرجا في منهجية التخطيط إذ تطورت البيعة من مستوى ما يمكن تسميته ببيعة النساء إلى مستوى الدفاع والنصرة. وتمثل بَيْعَتا العقبة مؤشرًا على التخطيط طويل المدى.



    قبل أن يهاجر الرسول، أمر الصحابة بالهجرة للمدينة، فأعطى المَثَل لحُبِّه لأتباعه وحِرْصِه عليهم. وهذا الأمر النبوي بالهجرة أعطى المستضعفين الفرصة للهجرة قبل أن تنتبه قريش لخطورة الهجرة. ومضت مواكب المهاجرين تتجه صوب المدينة. وفي مدة قصيرة لم يَبْقَ في مكة إلا نَفَرٌ قليل جدًّا. وأبقى النبي عليًّا وأبا بكر رضي الله عنهما لمهام محدَّدة، كما سيتضح لاحقًا.



    بدأ العد التنازلي لهجرة النبي، عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا بكر أن يُجَهِّز راحلتين، فبدأ أبو بكر على الفور بإعداد الراحلتين وتعليفهما بأحسن العلف لفترة أكثر من شهرين، لتكونا جاهزتين لهذا العمل الشاق. ومن ثم يمكن القول بأن هذا يمثل الخطوة الأولى في الخطة قصيرة المدى للهجرة. ولم يعلم أحد سوى أبو بكر بِنِّيَة الرسول للهجرة. وهذه السِرِّيَة عنصر هام من عناصر إنجاح هجرته.

    ]

    قبل الهجرة بوقت قصير استأجر أبو بكر دليلاً للطريق هو عبد الله بن أريقط، رغم أنه كان كافرًا وذلك لأنه ذو مروءة ولخبرته بمجاهل الصحراء. وعندما قربت ساعة الصفر، وحانت لحظة الهجرة بدأت بعض التكليفات لفريق من الصحابة كفريق معاون في أداء مهام داعمة. حيث كلف سيدنا على بن أبي طالب بالنوم في فراشه وذلك لتضليل المتربصين بأنه صلى الله عليه وسلم ما زال في فراشه. كما تم تكليف عبد الله بن أبي بكر بمهمة نقل أخبار قريش للنبي وصاحبه بالغار، وكُلِّفَت أسماء بنت أبي بكر بتوصيل الطعام.



    تم تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بالذهاب بالغنم ناحية الغار لتوفير اللبن للنبي وأبي بكر بالإضافة إلى إخفاء آثار عبد الله بن أبي بكر.



    وبعد تأكد قريش من عقد بيعة العقبة، خافت من انتشار الإسلام بين العرب، وشعرت بالتهديد لقوافلها التجارية نحو الشام، ومن ثم وضعوا خطة لقتل النبي عليه الصلاة والسلام. وقضت الخطة أن يشترك من كل قبيلة رجل قوى معه سيف بتار فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دَمُه بين القبائل ويضطر بنو هاشم لأخذ الدية. وفي ظل هذا التهديد بالقتل لم ينس الرسول رَدّ الأمانات إلى أصحابها، بل كان حريصًا على رَدِّها.



    وتجمعوا في الليلة المحددة. علم الرسول صلى الله عليه وسلم من أمين الوحي بخبر الكُفَّار، فأيقظ ابن عمِّه على بن أبي طالب، وكَلَّفَه بالنوم مكانه وأن يتغطى بِبُرْدَتِه وأخْبَره بأنَّه لن يحدث له مكروه. وخرج عليهم مُمْسِكًَا حِفْنَة من تراب، حَثَاها في وجوههم قائلاً شاهت الوجوه، فناموا جميعًا. ولم يصحوا إلا بعد أن أيقظهم أحد المارة. وتوجه النبي إلى أبي بكر ومن هناك لم يتوجها مباشرة للمدينة، بل توجها إلى غار ثور في الجنوب ليكون نقطة انطلاق الهجرة. ومكثا في الغار ثلاثة أيام قبل أن التوجه للمدينة. وهذا التحديد لنقطة الانطلاق والتوقيت كان غاية في الدقة والحكمة، فقد أدى إلى التعمية على الكفار.



    الدروس المستفادة من التجهيز السابق للهجرة:



    1- أهمية ممارسة قاعدة "اعقلها وتوكل". فقد أخذ النبي بالأسباب مع أنه متأكد من نصر الله له.



    2- أهمية توافر ما يسمى اليوم "رؤية" لدى المسلم. فالأحداث السابقة للهجرة تبين أن الرسول كان يتحرك بخطى ثابتة نحو توفير بيئة آمنه للمسلمين، وتكوين دولة مسلمة.



    3- أهمية اعتماد المسلم على التخطيط طويل الأجل والتخطيط قصير الأجل. وهذا نجده في بيعتي العقبة الأولى والثانية كتخطيط طويل المدى. كما نجد اهتمامه بالتفاصيل الهامة مثل تحديد توفير الراحلتين وتوفير الدليل ومن يقوم بجلب أخبار الكفار، ومن يقوم بتوفير اللبن والطعام وإخفاء الأثر. ومن هنا تظهر فكرة التخطيط بنوعية قصير المدى والتخطيط طويل المدى.



    4- الإيثار والتخلص من الأثرة والأنانية في المسلم. وهذا نجده في الإذن للصحابة بالهجرة قبل النبي.



    5- الأخذ بالسرية والكتمان في الأمور الحياتية والعامة الخطيرة. اقتداء بكتمان الرسول (ص) لنية الهجرة.



    6- أن يستعين المسلم بالصبر والكتمان في الأمور الهامة. وكان ذلك واضحًا في اقتصار خبر الهجرة على النبي وأبا بكر.



    - التعمية على العدو عنصر هام من عناصر نجاح الخطة. فقد نام على كرَّم الله وجهه في فراش النبي، وذلك للإيحاء بأنه ما زال في فراشه. كما وضح ذلك في اختياره لنقطة وميعاد الانطلاق للهجرة.



    8- تطبيق مبدأ الاستعانة بالقوى الأمين مبدأ هامًّا لنجاح أي برنامج أو مشروع نهضوي. وهذا واضح في استئجار عبد الله بن أريقط دليلاً للطريق.



    9- إتباع أسلوب فريق العمل في حياتنا. فقد كون النبي فريق عمل للتعمية وتسهيل هجرته، وذلك من أشخاص مثل سيدنا أبو بكر وولديه عبد الله وأسماء، وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط.



    10- ردّ الأمانات خلق رفيع من أخلاق النبوة. ويجب أن يتخلق المسلمون بهذا الخلق مع العدو والصديق.

    ----------

    * الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج

    مقال 5
    د. محمد عبد الجواد يكتب: الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية وانتخابات ما بعد25 يناير
    تزامن حلول العام الهجري 1433 وذكرى هجرة رسولنا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وانتخابات 2011، ومصرنا الحبيبة تجتاز فترة دقيقة من حياتها، يتم فيها اختبار إرادة الشعب المصري لصالح وجهة مصر بعد ثورة 25 يناير العظيمة، ولله الفضل أولاً وأخيرًا في نجاحها، والفضل بعد ذلك لدماء الشهداء الذين أوقدوا فتيل هذه الثورة، وكذلك التفاف الشعب المصري حول ثورته التي حماها، وحافظ عليها مضيئة حتى تؤتي أكلها بإذن ربها، وفي القلب من هذا الشعب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لم يفت في عضدهم سجون ومعتقلات عبد الناصر والسادات ومبارك لعقود طويلة.



    وكثر الحديث والجدل بعد أيام ميدان التحرير الأولى وانقسم الشعب الذي كان موحدًا داخل الميدان إلى شيع وأحزاب وجماعات وهذه سنة الله في خلقه.



    واختلفت وجهات النظر، وهذا الاختلاف قد يكون محمودًا إذا كان اختلاف تنوع، أما المذموم والمنهي عنه فهو اختلاف التضاد.



    وتبلور هذا التنوع بعد الانتهاء من المرحلة الأولى من الانتخابات، وخلال هذه المرحلة عشنا وما زلنا نعيش أجواء حملة شرسة ضد ما أسموه بالإسلام السياسي، والمدقق في الحالة التي وصلنا إليها يجد أن هناك اتجاهات ثلاثة تتبلور لفئات ثلاث:



    الأولى: فئة تفهم أن الإسلام اعتقاد صحيح سليم بعيد عن الشرك، وطاعة واتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تبديل ولا ابتداع، ودون زيادة عليه أو نقص منه، ويتبع ذلك كله ويتصل به أخلاق وعبادات ومعاملات وأحكام ويتكون من هذا المجموع كله نظام يشمل الحياة كلها في جميع أنحائها وجوانبها، ومن هنا كان الكلام عن دستور الإسلام أو سياسة الإسلام أو اقتصاد الإسلام أو غير ذلك، وكذلك يكون الإسلام كلاًّ لا يتجزأ؛ فهو عقيدة قبل أن يكون نظامًا وأخلاقًا قبل أن يكون تشريعًا وقانونًا.



    الثانية: فئة ترفض ذلك جملة وتفصيلاً، وفي القلب منهم طبعًا اليساريون ومن يطلق عليهم العلمانيون الذين ينشدون دولة بلا هوية ولا مرجعية إسلامية "فالدين لله والوطن للجميع" و"لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة" "ودع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".



    الثالثة: فئة يبدو أن البعض منها ليس لديه معرفة جيدة بالإسلام وتاريخه، فراح عن قصد أو غير قصد باتهامه بالعنصرية والتمييز ويردد مقولات الفئة الثانية، وقد غلبت عليهم مصالحهم الدنيوية، فحيثما كانت مصلحتهم فثم القصد والغاية.



    انتخابات 2010 وانتخابات 2011

    إن أخطر ما ارتبط بانتخابات 2010 وما زال مستمرًّا حتى الآن هو اتهام الإسلام بما ليس فيه، وتجييش الكتاب المرتزقة واليسار المتأمرك؛ للإلحاح على ما يسمى بالدولة الدينية والأحزاب الدينية والمواطنة، ولا يستطيع هؤلاء القوم توجيه هذا الكلام إلى الدولة اليهودية الدينية حقًّا والأحزاب الدينية التي تشكل حكومتها والعنصرية أو التمييز الذي تمارسه على أرض فلسطين، ومن منطلق الدين علنًا والتي تجعل غير اليهودي درجة ثانية، إن الذين يهينون الإسلام بهذا الأسلوب الرخيص لا يستطيعون أن يواجهوا حزبًا دينيًّا حقيقيًّا قائمًا على أرض الواقع، ويأتمر بأمر زعامات دينية، ويتحرك بإشارة منها في المناسبات المختلفة، ويرى نفسه فوق الأكثرية السياسية والدينية شاءت أم أبت.



    الهجرة وعلاقتها بالدولة الإسلامية والمواطنة

    صارت الهجرة فرضًا وما زالت فريضة على المسلمين، كما ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" وانتهت الهجرة المكانية وبقيت الهجرة المعنوية، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة؛ حيث مجتمع الكفار والمشركين من جهة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى إلى المدينة في مجتمع يجمع الأوس والخزرج واليهود، وظهرت بعد ذلك فئة المنافقين، والكل يعرف ما كانت عليه جاهلية الكفار والمشركين، وقد أبوا ولم يقبلوا هدي الله سبحانه وتعالى ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقاموا بتعذيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم، وكذلك نعرف جميعًا مجتمع المدينة ودور اليهود بين الأوس والخزرج، والعداوة التي كانت مسيطرة على مجتمع يثرب قبل الهجرة.



    وبالرغم من هذا كله فقد أقام الإسلام أول دولة مدنية على ظهر الأرض وليس فيه وسيط بين العبد وربه، ولا يملك أحد أن يمنح أحدًا صكًّا بالغفران أو الحرمان والأحزاب، والجماعات التي جاءت بعد عهد الراشدين كانت كلها سياسية، ولكن نظام المجتمع على مدى أربعة عشر قرنًا ظل يحتكم إلى الإسلام في عباداته ومعاملاته، في ميلاده وموته، في بيعه وشرائه، في حروبه وسلامه، في صحوه ونومه، وسيظل بإذن الله نظام المجتمع إسلاميًّا إلى يوم الدين.



    ولذلك بقيت الهجرة المعنوية جهادًا ونية فريضة علينا؛ لتنقل مجتمعنا المصري من واقعه المر إلى مثل المجتمع الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، والذي قام على أسس ثلاثة: المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والميثاق الذي قطعه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين من جهة واليهود من جهة أخرى، ولو كلف الرافضون لإقامة الدولة الإسلامية أنفسهم وطالعوا ما كتب في صحيفة (المدينة) لعرفوا أن الإسلام هو أول من أرسى حقوق المواطنة التي لا تجدها في أعرق الديمقراطيات الغربية الآن.



    والأسس التي قامت عليها هذه الدولة ثلاثة أسس: المسجد، والمجتمع المسلم الذي قام على المؤاخاة والحب والإيثار، والعقد بين المجتمع المسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب من اليهود؛ فكان المسلمون واليهود أمة واحدة، لليهود ما للمسلمين، وعليهم ما علي المسلمين، مجتمع يأمن جميع أفراده علي معتقداتهم وعباداتهم، والقيادة في هذا المجتمع للإسلام؛ فإنه يعلو ولا يعلى عليه بزعامة رئيس الدولة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.



    من نحن وماذا نريد؟

    المجتمع المصري بل المجتمعات العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى فئة تكون قدوة لغيرها في إحداث تغيير حقيقي في نفوسها حتى يغير الله ما بها، وإن من إعجاز هذا الدين أن تظل شعلة الإيمان كامنة في قلوب المسلمين مهما خبت وخمدت في الظاهر، حتى إذا جاء من ينفخ فيها ويزيل الرماد عنها استجاب له المؤمنون وقام لنصرته وتأييده الصالحون وصدق الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)؛ فالأمر يحتاج من الجميع وقفة محاسبة، ولا أكون مبالغًا إذا قلت إننا في حاجة إلى ثورة لكل منا على نفسه، كثورتنا على حسني مبارك ونظامه، "وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"؛ حتى نتغير إلى الأصلح، فالواقع مر، وربما يكون أمر منه الذي يلوح في الأفق، إلا إذا بدأ الجميع في تغيير حقيقي يشمل جوانب حياتنا جميعها ومقياسنا في ذلك المجتمع الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة لبنة لبنة أو فردًا فردًا، واستغرق ذلك ثلاثة عشر عامًا من بعثته صلى الله عليه وسلم، وهم الذين هاجروا مع رسولهم صلى الله عليه وسلم واستقبلهم الأنصار بحب وترحاب، وبنى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار دولة الإسلام، وهل كانت هجرته لغاية غير ذلك وهي إقامة الدولة الإسلامية؟



    وإذا أسقطنا الأسس الثلاثة التي قامت عليها هذه الدولة في المدينة على واقعنا الآن فهناك عدة أسئلة يلزمنا الإجابة عنها؛ خاصة ونحن أمام اختبار صعب بعد أن منَّ الله علينا بنصرته في الجولة الأولى من الانتخابات وثقة الشعب فينا:



    أولاً: هل أقمنا فيما بيننا مجتمعًا قلبه معلق بالمساجد غلبت فيه المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، متمثلين في ذلك مجتمع المهاجرين والأنصار الذين قامت بجهادهم الدولة الإسلامية؟



    ثانيًا: هل حققنا الحد الأدنى من مراتب الأخوة، وهي سلامة الصدر؛ ناهيك عن أعلاها وهي الإيثار كما رأينا في مجتمع المدينة؟



    ثالثًا: هل تعاملنا مع غير المسلمين، وخاصة شركاء الوطن والمصير نصارى مصر كما تعامل الرسول مع يهود المدينة فنسالم من يسالمنا ونعادي من عادنا؟



    رابعًا: هل تربى فينا الفرد المسلم، سليم العقيدة، صحيح العبادة، متين الخلق، مثقف الفكر، النافع لغيره، المنظم في شئونه، القادر على الكسب، المحافظ على وقته...؟ هل ربينا أمثال مصعب بن عمير سفير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ والأمثلة كثيرة مثل بلال وياسر وصهيب وعلى الرأس من هؤلاء الصديق صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار، والذي خلف الرسول في قيادة الدولة بعد موته صلى الله عليه وسلم، والذي قاتل من امتنع عن دفع الزكاة، وقال قولته: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، وقال: "أينقص الدين وأنا حي"، هل تربى فينا من يصدق فعله تلاوته للآية الكريمة: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) (الأنعام)، فيكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهويته إسلامية بحق، ويكون حراكه ونشاطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أساس من الدين الذي قال الله فيه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ).



    خامسًا: هل أقمنا الأسرة المسلمة لبنة المجتمع المسلم؟ الأسرة التي قام فيها الرجل بالقوامة الحقة التي تقيه وأهله نارًا وقودها الناس والحجارة، الأسرة التي قدمت للمجتمع أمثال علي بن أبي طالب من الشباب وأسماء بنت أبي بكر من النساء.



    معالم الحراك في المرحلة القادمة

    ونخلص إلى إجابات قصيرة وسريعة لما يدور في المجتمع المصري من أسئلة حول الدولة الإسلامية والهوية التي تحكم نشاط المسلم وحراكه اليومي، وكيف يعيش غير المسلم في الدولة المسلمة، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم، وبمعنى أوضح الرد على مقولة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" وحظر النشاط على أساس ديني وحق المواطنة.



    حقًّا إنها معركة بين من ينشد الحياة على أساس ما شرعه الله وسنه لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم، وبين من يرفضنا إلا إذا اتبعنا هواه، وصدق الله حيث يقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (60))، وقوله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (النساء: من الآية 64)، وقوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء).



    فهل سندافع عن هذا الدين ونعظم شرائعه ونعيش وفق تشريعاته أم سنتبع خطى من كان قبلنا لا قدر الله فيصيبنا ما أصابهم؟!



    هدانا الله إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
    إننا مطالبون جميعًا أن نتمثل قول الله سبحانه وتعالى فيمن قامت على جهودهم الدولة الإسلامية الأولى، ووصفهم الله في قرآنه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)) (التوبة).



    أما موقف الذين اتبعوهم بإحسان ونسأل الله أن نكون منهم هم الذين يقاومون إقصاء الإسلام عن الحياة بحماسة ووضوح، متمثلين في ذلك قول رسولهم صلى الله عليه وسلم لقريش وعظمائها وساداتها: "يا ابن أخي إن كنت تريد لما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد سيادة سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا" فجاء الرد الحاسم: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".



    لقد وجدوا في أنفسهم زهدًا في المال، وزهدًا في المنصب، وزهدًا في الجاه؛ لأنهم يريدون أكثر من المال والجاه والمنصب، إنهم يريدون عقيدة تنتشر، وفكرة تسود، ومجتمعًا ربانيًا يتكون، وإسلامًا يقوم على وجه الأرض، يعلم الناس ما لم يتعلموه قبل هذا الإسلام العظيم، إنهم يريدون وجه ربهم ذي الجلال والإكرام.



    هؤلاء من استحضروا في أرواحهم القول الثقيل الذي خاطب الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (2)) (المزمل)، وقد قال صاحب الظلال في هذه الآية: وهذا الثقل في القول ليس في ذات القول، فلقد يسر الله القرآن للذكر، ولكن الثقل في التبعة، في المهمة، في الواجب، في المشقة التي يحملها هذا القول الثقيل، وهم يعلمون أن الطريق شاقة، وليست مفروشة بالزهور والورود؛ بل هي مليئة بالأشواك والمكاره؛ فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)) (العنكبوت)؛ فلنجعل فعلاً قلوبنا محلاًّ لنزول نصر الله حتى ندرك أن النصر الرخيص لا يبقى، والنصر السهل لا يعيش؛ ولأن الدعوة الهينة يتبناها كل ضعيف، أما الدعوة الصعبة فلا يتبناها إلا الأقوياء ولا يقدر عليها إلا الأشداء.



    إننا نريد نظامًا حرًّا يحفظ كرامة الإنسان المصري ويعبر عن إرادة جموع المواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم وعقائدهم ويخضع فيه الجميع للقانون الذي يختاره نواب الشعب الحقيقيون، أما هذا الاختلاف والتشرذم فلن يقدم جديدًا وسيكون وبالاً على الجميع.



    إن منهج الإسلام الذي نلتزم به يعتبر أن سياسة الناس بالعدل والحق والرحمة جزء من رسالة الإسلام، وأن إقامة شريعة الإسلام فريضة من فرائضه؛ ولكن الحاكم في نظر الإسلام بشر من البشر، ليست له على الناس سلطة دينية بمقتضى حق إلهي؛ وإنما ترجع شرعية الحكم في مجتمع المسلمين إلى القيام على رضا الناس، وإلى إفساحه للشعوب؛ ليكون لها في الشئون العامة رأي ومشاركة في تقرير الأمور، وأن يستحدثوا بعد ذلك من النظم والأساليب ما يتفق وأحوالهم وما لا بد أن يتغير ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال الناس، وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام، فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناس دون أن يحيف بحق الأقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي، وموقف مخالف، وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي والدعوة إلى ذلك الموقف، ومن هنا فإن المعارضة السياسية المنظمة تعتبر عاصمًا لاستبداد الغالبية وطغيانها، وتكون كذلك جزءًا من البناء السياسي وليست خروجًا عليه أو تهديدًا لاستقراره ووحدته، وبذلك أيضًا تكون سلامة الانتخابات السياسية وإجرائها في حرية تامة ونزاهة كاملة تتمتع بهما جميع القوى ضمانًا حقيقيًّا لأمن المجتمع واستقراره.



    أيها الأحباب وإخواني أبناء الشعب المصري ورجاله الذين انحازوا للحق وتدافعوا مع دعاة الباطل، ثقوا في نصر الله؛ فليس بعد هذا الظلام الذي حل بنا جميعًا إلا بزوغ نور الحق ولو كره ذلك دعاة العلمانية، فعلينا هجرهم وما يدعون، نهجر هذه العقول المحتلة والمنبهرة بفكرة العلمانية الغربية، ونهجر هذا النقل المختل لقيم ومبادئ حضارتنا الإسلامية التي أرساها رسولنا وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولينصرن الله من ينصره، وأختم بقول الله تعالى:
    (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا 40) (الحج).



    والله أسأل أن يجبر كسرنا ويغفر لنا تقصيرنا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين.



    -------------------------

    * أستاذ بكلية الهندسة جامعة أسيوط.

    مقال 6
    أسامة جادو يكتب: من وحي الهجرة.. المبادئ العامة لدستور دولة المدينة
    كانت الهجرة النبوية- وما زالت- ملهمة لأمة الإسلام على مر العصور،ولم تكن مجرد انتقال من ارض إلى ارض ومن بلد إلى بلد، ولم تكن مجرد حالة هروب أو فرار، إنما هي حركة إيجابية جهادية تمثل قمة الفاعلية والإصلاح والتغيير، وهي تعني معرفة المسلم للحق والإيمان به، والاعتزاز بالانتماء له، ومن ثمَّ الارتحال إليه والثبات عليه والعمل به والبذل له، والتضحية في سبيله من أجل نصرته، والتمكين له.



    ومن ثمِّ لم يكن النبي المهاجر صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ممن آثروا السلامة واختاروا الانسحاب والانزواء، إنما كانت الهجرة نقلة هائلة في عالم النفس البشرية تبعتها نقلة أخرى في واقع الحيـاة، وقد حظيت الهجرة بحفاوة الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا، فلم تزل المؤلفات والأبحاث تترى وتتوالى، وكل جيل يعبر عن تصوراته واستفاداته من هذا الحدث الضخم، وكذلك يسهم في تجلية رؤاه وتظهير جوانب الحكمة وأطراف العظمة فيه، ورحم الله الإمام السيوطي حيث قال: "فإنَّ العلوم وإن كَثُرَ عددها، وانتشر في الخافقين مددها، فغايتها بحرٌ قعره لا يُدرك، ونهايتها طودٌ شامخٌ لا يُستطاعُ إلى ذروته أن يٌسلك، ولهذا يفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرق إليه من المتقدمين الأسباب"، ولهذا ستظل الهجرة مُلهمة للكثيرين بالأفكار والعبر، موحية إليهم بالاستفادات والفكر، تُرشدهم إلى ذخائرها المكنوزة ونفائسها المخبوءة.



    ومما وقفت أتأمله من صفحات الهجرة النبوية تلك الصفحة الذهبية التي تصف للبشرية كيف صاغ الإسلام دولته وسط تحديات جسام تكاثرت وتلاحقت، وكيف قامت دولة الإسلام على أسس وقواعد دستورية غير مسبوقة، بل لا أبالغ إذا قلت إنَّ عالمنا البشري اليوم لم يصل بعد إلى آفاق هذه المبادئ العليا التي حوتها وثيقة المدينة والتي تُعد بحق من أقدم الدساتير التي عرفها الناس؛ فما إن استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفرغ من تأسيس مسجده، شرع في تحديد المراكز القانونية (الحقوق والواجبات والأوضاع) لسكان المدينة؛ خاصة أنهم طوائف وملل، فمنهم المسلمون وهم أكثرية ومنهم قلة على الشرك، ومنهم قبائل اليهود.



    وقد اعتنى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بتنظيم شئون الدولة الوليدة، وأراد أن تكون النشأة على أسس واضحة وبينة، ومن ثم كتب "وثيقة المدينة" وضمنها المبادئ العامة التي تحكم شعب المدينة، وتحدد الأطر القانونية الحاكمة، وترسم صورة جديدة للدولة الوليدة على نهج غير مسبوق.



    "إن إصدار الوثيقة يمثل تطورًا كبيرًا في مفاهيم الاجتماع السياسية، فهذه جماعة تقوم لأول مرة في الجزيرة العربية على غير نظام القبيلة، وعلى غير أساس رابطة الدم؛ حيث انصهرت طائفتا الأوس والخزرج في جماعة الأنصار، ثم انصهر الأنصار والمهاجرون في جماعة المسلمين، ثم ترابطت هذه الجماعة المسلمة مع اليهود الذين يشاركونهم الحياة المدنية إلى أمد.



    ولأول مرة يحكم القانون؛ حيث ترد الأمور إلى الدولة، ومن خلال تغيير شامل وتحول سريع طوى الدستور صفحة اجتماعية طابعها القبلية، وفتح صفحة جديدة أكثر إيجابية وأقرب إلى الترابط والتكافل والوحدة الفكرية" (المرحوم أنور الجندي: الإسلام وحركة التاريخ ص 33.).



    لقد كانت "وثيقة المدينة" بمثابة إعلان عام بقيام الدولة الإسلامية وتبنِّيها لما يعرف اليوم بالشرعية الدستورية، ويحلو لكثير من العلماء الأجلاء أن يضفوا على الوثيقة نعوتًا كثيرة ويعطونها أهمية كبيرة وهم محقون في ذلك، فيري الدكتور البوطي "أن كلمة الدستور هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة، وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يُعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج، ويرى فضيلته أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت- منذ بزوغ فجرها- على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية". (فقه السيرة للبوطي ص 160).



    وقد أورد ابن هشام في سيرته بنود هذه الوثيقة، ونعرضها فيما يلي، ثم نعقب عليها بإشارات وجيزة، وذلك على النحو التالي:



    المطلب الأول: وثيقة المدينة

    المطلب الثاني: المبادئ العامة التي تضمنتها الوثيقة

    المطلب الأول: وثيقة المدينة "الدستور"

    قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم وقد جاء فيه:
    "بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس،
    وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا- أي المثقل بالدَّيْن كثير العيال- بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغي دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس، وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.



    وأنه لا يجير مشرك مالاً لقرشي ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه لا يحل لمؤمن أقر ما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا، ولا يئْويه... وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم- مواليهم وأنفسهم- إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوثع- أي يهلك ويفتك- إلا نفسه وأهل بيته... وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح... وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم.



    وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله... وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وأن بينهم النصر على من دهم- أي هجم وانقض- يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، إلا من حارب في الدين... وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم... وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.(انظر سيرة ابن هشام المجلد الأول ص 318).



    المطلب الثاني: المبادئ العامة التي تضمنتها الوثيقة



    حوت وثيقة المدينة عدة مبادئ عامة تشكل قواعد الحكم و تحدد الحقوق والواجبات لكل مواطني دولة المدينة، وتعبر عن هوية الدولة وركائزها، وتخيرت منها خمسة مبادئ أعرض لها بإيجاز:



    المبدأ الأول: اعتبار المسلمين أمة واحدة.

    أكدت الوثيقة هذا المبدأ القرآني الخالد (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10)، وأعلنت أنهم أمة واحدة وهم يد واحدة على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويتكافلون فيما بينهم في المصائب والكروب ويتعاهدون على نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، ولو كان ولد أحدهم.



    هذا المبدأ يشكل الأساس القوي المتين الذي يقام عليه بناء الدولة الفتية.



    المبدأ الثاني: الدولة الإسلامية قامت على الحق وتنتصر له، وتقبل جوار الآخر.

    أكدت الوثيقة حقوقية دولة الإسلام وأكدت قبول الدولة للآخر، ولو كان دينه يخالف الإسلام، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي، والذي يظن أن الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط، هو رجل مخطئ بل متحامل جريء.



    عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد بها يهودًا توطنوا ومشركين مستقرين، فلم يتجه فكره إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والخصام، بل قبل- عن طيب خاطر- وجود اليهودية والوثنية، وعرض على الفريقين أن يعاهدهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه" (الشيخ محمد الغزالي– فقه السيرة ص 198).



    لقد أتت الوثيقة على صورة غير مسبوقة، وأقرت مفهوم الحرية الدينية وهي في ذلك تؤكد المبدأ القرآني الخالد (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) (الكافرون).



    وتغلب هذا المبدأ القرآني الخالد على قانون فرعون الهالك (قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ (29)) (الشعراء).



    وأقرت الوثيقة أن الأرض تَسَع الخلق وألغت مفهوم "الإبعاد والطرد للمخالفين"، وأعلنت مبدأ التسامح وألغت قانون قوم لوط: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)) (النمل).



    وإلى هذا المعنى أشار الدكتور عماد الدين خليل بقوله: "لقد أقرت الصحيفة مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه، وضربت عرض الحائط بمبدأ التعصب ومصادرة الآراء والمعتقدات، ولم تكن المسألة مسألة تكتيك مرحلي ريثما يتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم تصفية أعدائه في الخارج لكي يبدأ تصفية أخرى إزاء أولئك الذين عاهدهم- وحاشاه- إنما صدر هذا الموقف السمح المنفتح عن اعتقاد كامل بأن اليهود (باعتبارهم أهل كتاب) سيتجاوبون مع الدعوة الجديدة وينهضون لإسنادها في لحظات الخطر والصراع ضد العدو الوثني المشترك- كما أكدت بنود الوثيقة نفسها- أو أنهم على أسوأ الاحتمالات سيكفون أيديهم عن إثارة المشاكل والعقبات، ووضع العراقيل في طريق الدعوة، وهي تبني دولتها الجديدة وتصارع قوى الوثنية التي تتربص على الحدود.



    ولكن الذي حدث بعد قليل من إصدار الوثيقة، وطيلة سنيِّ العصر المدني غيَّر مجرى العلاقات بين المسلمين واليهود، وجمد البنود المتعلقة بهم لا لشيء إلا لأنهم اختاروا (النقض) على الوفاء، و(الخيانة) على الالتزام و(الانغلاق على مصالحهم القومية) على الانفتاح على الأهداف العامة الكبيرة للأديان السماوية جمعاء" (دراسة في السيرة ص 151).



    ليت قومنا يعلمون عظمة دولتهم وشموخها. إن الجدل الذي صدع أدمغة الناس طيلة الفترة الماضية وخاصة على الساحة المصرية عقب ثورة الشعب المصري- حول الدولة المدنية والدولة الدينية وقد عانينا كثيرًا حتى يتم تظهير طبيعة الدولة التي ندعو إليها، وأن دولة الإسلام كانت مدنية الطبع إسلامية الأصول والمرجعية، ولم تكن يومًا دولة ثيوقراطية (أي دينية بمفهوم العصور الوسطى حيث تحكمت الكنيسة وحكمت بمفهوم التفويض الإلهي والحق الإلهي)؛ فالدولة بمفهومنا الإسلامي دولة دستورية ترسي مبادئ القانون وتحمي حقوق كل المواطنين؛ بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو الجنس، بل تحرس هذه الحقوق وتفرض التزامات على أجهزة الدولة والكافة لصيانة هذه الحقوق.



    المبدأ الثالث: المساواة العامة بين المسلمين

    وهو من المبادئ الخالدة التي قررها الإسلام ونطقت به آيات القرآن الكريم، وأكدها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10)، وقال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" (رواه البخاري ومسلم).



    ويوم أن جاء بنو مخزوم يتشفعون عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليعفو عن المرأة السارقة، وكانت من أشراف قريش فأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم غضبه، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت: فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟" ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". (متفق عليه).



    وفي رواية: "فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟" فقال أسامة: استغفر الله لي يا رسول الله، ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها".



    ومن عجب هذه المبادئ الثلاثة السالف ذكرها والتي تدور حول الحرية، والإخاء، والمساواة لم تكن مجرد شعارات براقة تخلب الألباب وتأخذ الأبصار كما فعلت الثورة الفرنسية منذ قرنين من الزمان، بل كانت هذه المبادئ منهاج حياة عاشها المسلمون عهودًا طويلة.



    المبدأ الرابع: المرجعية العليا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

    وهذا ما أكدته الوثيقة بوضوح وجلاء حيث قررت "كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا إعلان صريح أن الحاكمية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن على الكافة الخضوع لسلطان الشرع والاحتكام إلى قواعده ولا يسع أحد أن يفر أو يراوغ في ذلك.



    " قررت الوثيقة وجوب الخضوع للقانون ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف بالأمور وفي شئون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديا، وكذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم، وعدم نصرة المحدث (المجرم) أو (إيوائه). (أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية والإسلام ص 393، 394).



    لقد أكدت الوثيقة أن دولة الإسلام دولة قانون ذات سيادة، وتمارس سلطاتها العليا في الداخل والخارج على أساس من المساواة الشاملة والعدل المطلق. (فتحي عثمان: دولة الفكرة التي أقامها رسول الإسلام عقب الهجرة ص 60).



    وأن عهد القبيلة قد ولى، وأن للناس أن يتمتعوا بدولة الإسلام.



    المبدأ الخامس: احترام حقوق الإنسان وتكريمه

    أكدت الوثيقة هذا المبدأ الإسلامي الخالد أن الإنسان مكرم وأنه مصون في ماله وعرضه ودمه، وأن حقوقه اللصيقة به- كإنسان- محترمة، وأن الدولة تسعى جاهدة لحماية هذه الحقوق.



    حق الإنسان في التدين: فقد نصت الوثيقة بوضوح على أن حرية الدين مكفولة فليس هناك أدنى تفكير في محاربة طائفة أو إكراه مستضعف؛ بل تكاتفت العبارات في هذه المعاهدة على نصرة المظلوم وحماية الجار ورعاية الحقوق الخاصة والعامة، واستنزل تأييد الله على أبر ما فيها وأتقاه، كما استنزل غضبه على من يخون ويغش" (فقه السيرة للغزالي ص 199).



    بل اعتبر السيد أحمد الشريف أن هذه الدولة فذة في تاريخ البشرية؛ لأنها أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية، وأول هذين المبدأين هو حرية الأديان، وهي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية وتسمح بها فحسب، بل إنها تتعهد برعايتها.



    وثانيهما: هو مبدأ تعريف فكرة الوطن والدولة في أوسع معانيها، تسامحًا وإنسانية، وهو مبدأ يكفل المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعاداتهم. (مكة والمدينة في الجاهلية والإسلام ص 383).



    حق الإنسان في البقاء في بلده آمنًا وحقه في الخروج والسفر والترحال والتنقل، وهو أمن ما دام منضبطًا بالشرع ملتزم بالقانون؛ فقد نصت الوثيقة على أن "من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن إلا من ظلم وأثم".



    فقد أقرت الوثيقة حرية السفر والخروج من المدينة لمن يريد، وكذلك أقرت حرية البقاء والقعود فيها لمن يحفظ حرمتها، فلا يظلم ولا يرتكب إثمًا يعرضه للمحاسبة.



    تلك مبادئ خمسة تعد دعائم الاستقرار الذي امتازت به الدولة الإسلامية الراشدة، وهي مستقاة من "دستور المدينة" الذي وضعه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد مدة قليلة من وصوله إلى المدينة المنورة.



    لا يخفى على عاقل أن الله تعالى خلق الإنسان حرًّا ومنحه جملةً من الحقوق الأساسية التي تحفظ عليه عقله، وصحته وماله ودينه وعرضه ورأيه، وتحقق له العيش الرغيد، وجعل تلك الحقوق شرعًا يُتعبد به، هذه الحقوق الأساسية للإنسان ارتقت في ظلِّ شريعة الإسلام إلى مرتبة الفرائض الشرعية، بل جُعلت من مقاصد الشريعة.



    وإذا ما حدث انتهاك لهذه الحقوق كانت غضبة شديدة تؤكد هذه الحقوق: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟"، كلمة ترددت في الآفاق، وسمعتها الدنيا منذ قرون طويلة، قالها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين رُفعت إليه شكوى أحد المصريين ضد ابن والي مصر عمرو بن العاص.



    إن العالم كله يقف مشدودًا ويطأطئ رأسه احترامًا وخجلاً، وهو يستمع إلى سيد الرسل محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن بكل وضوح، ويؤكد بلا أدنى شك أن الناس سواسية، وكلهم يخضعون للقانون والشرعية، لا فرق بين فقير وغني، ولا وزير وخفير، وأن الجميع سواء أمام القانون، لقد استمع الخلق لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن غضبه من فوق المنبر: "يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".



    بل سجل التاريخ البشري أن وثيقة المدينة المنورة، والتي نُطلق عليها بحق "دستور المدينة" وقد ضمنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جملة من الحقوق الأساسية للإنسان، أكدت الوثيقة أن الإنسان مكرم، وأنه مصان في ماله وعرضه ودمه ، وأن حقوقه اللصيقة به كإنسان محترمة، وأن الدولة تسعى جاهدة لحماية هذه الحقوق، حقه في ممارسة شعائر دينه، حقه في الأمن الاجتماعي، حقه في التنقل بحرية، وحقه في السفر والعودة إلى المدينة، ومما جاء في الوثيقة "وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم- مواليهم وأنفسهم- إلا من ظلم وأثم" فهذا مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه، دولة الإسلام تسع كل المواطنين، دون تعصب ولا مصادرة للآراء والمعتقدات.



    ما أشبه الليلة بالبارحة وها هي أمتنا تفيق من سباتها وتستيقظ من نومها وتنهض بعد كبوتها وتبدأ في بناء دولها على نهج الإسلام وهدي النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ومن يُمْن الطالع أن تكون بداية العام الهجري الجديد مواكبةً لحركة وفعاليات إيجابية نحو تأسيس الدولة الحديثة في مصرنا الحبيبة وشقيقاتها تونس وليبيا والمغرب، ونأمل أن يلحق بهم يَمَن الحكمة وسوريا الأمجاد، وعسى أن يكون قريبًا.



    --------------------------------

    * النائب السابق بالكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين 2005م والمحامي بالنقض والدستورية العليا.
    مقال 7
    الهجرة النبوية والثورة المصرية
    بقلم: د. حسن الحيوان
    الهجرة النبوية لم تكن أبدًا حدثًا تاريخيًّا مرت به الأمة قديمًا حتى نستعيده كعيد من الأعياد الإسلامية فقط، هذه كبوة حضارية مركبة، الهجرة تمثل نموذجًا لإنجاز إستراتيجي حضاري واجب التكرار باستمرار، كما أن الهجرة لم تكن أبدًا نقلة من مكان إلى مكان؛ بل نقلة من ما كان إلى ما لا بد أن يكون، ولا يمكن تكرار هذا الإنجاز الحضاري إلا بالعمل "الواجب شرعًا"؛ لتفعيل نموذج الهجرة، فنجاح الثورة لن يتحقق إذا وقفنا عند حدود ثورة شعبية للإطاحة برأس أو كل عناصر النظام السابق، فبدون تكرار نموذج الهجرة وعناصرها سيتم إعادة إنتاج نظام الاستبداد والفساد من جديد برموز أخرى تعمل على بناء شبكة من المتحالفين على نهب البلاد وقهر العباد.



    لا بد أن نهجر الهمجية إلى الموضوعية، فنحن لم نستطع تحقيق توافق وطني مدعوم ثوريًّا وشعبيًّا للضغط على السلطة الانتقالية للالتزام بأهداف الثورة؛ مما أدى إلى عودة الثورة مؤخرًا. ومن هنا نجد أن تفعيل نموذج الهجرة لا بد أن يمثل لنا ضرورة دنيوية وفريضة شرعية؛ لننتقل مما كان قبل الثورة إلى ما لا بد أن يكون بعدها.



    لا بد أن نهجر التصارع الفكري والتفتت السياسي إلى التوافق على تصور للمرحلة الانتقالية، فتقسيم مصر على أساس فكري أو أيديولوجي (إسلامي علماني) يمثل تخلفًا وخطأ جسيمًا، فكثير من العلمانيين والليبراليين انضموا للإسلاميين ورفضوا وثيقة السلمي، كما أنهم دعموا إقامة الانتخابات في موعدها.. نحن نحتاج إلى مساحة براجماتية وطنية (لا عقائدية دينية) يتعاون فيه الجميع.



    - لا خلاف على ضرورة نقل السلطة لحكم منتخب؛ لكن لا بد أن نهجر الشعارات العنترية إلى فن وفقه الممكن (الأمر الذي يعرفه الدارسون لنموذج الهجرة) لا يمكن تسليم السلطة الآن إلا لمؤسسات حكم منتخبة، وعلى رأسها الرئيس؛ أما حكومة الإنقاذ حتى لو كانت تبعًا للخيارات الشعبية فلا يمكن أن تحل محل هذه المؤسسات، إسقاط المجلس العسكري الآن يعني محاولة لإسقاط الدولة، وصراع الجميع ضد الجميع على لا شيء، فهل كانت الهجرة كذلك أم كانت تنافسًا بين المهاجرين والأنصار على العكس تمامًا؟؟ أسرع طريق للوصول لحكم منتخب هو الجدول المتفق عليه الآن بتسليم السلطة يونيو 2012، والأمل الوحيد في التخلص من حكم العسكر هو إنجاز انتخابات برلمانية نزيهة في مواعيدها يحضرها معظمنا، ك

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 3:13 pm