المنهل التربوى

منتدى المنهل التربوى
إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى نتشرف بتسجيلك والانضمام لأسرتنا
أو سجل دخولك لو أنت عضو بالمنتدى وشارك معنا
كن إيجابيا وفعالا ........بعد التسجيل ضع موضوعا تفيد به أو ردا تشكر صاحبه عليه
مرحبا بك زائرا ومتصفحا لكى تتمكن من المشاركة والحصول على أفضل خدمة يجب أن تسجل دخولك سجل من هنا
مع تحيات قطاع الشرقية التربوى
المنهل التربوى

منتدى تربوى متنوع لسان حال قطاع الشرقية التربوى

/ عام جديد وعلى عملكم شهيد فاستبقوا الخيرات اللهم انصر اخواننا فى سوريا وعجل لهم الفرج والعافية / الإخوان المسلمون والحرية والعدالة يدشنان حملة معا نبنى مصر احتفالا بالثورة

المواضيع الأخيرة

» الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
الأربعاء يناير 30, 2013 7:34 pm من طرف Admin

» حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
الأربعاء يناير 30, 2013 7:27 pm من طرف Admin

» وسائل التربية عند الإخوان المسلمين
الأربعاء يناير 30, 2013 7:22 pm من طرف Admin

» السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث الدكتور علي محمد الصلاّبي
الأربعاء يناير 30, 2013 7:17 pm من طرف Admin

» مواقف من حياة المرشدين
الأربعاء يناير 30, 2013 7:09 pm من طرف Admin

» منهاج حسن البنا بين الثوابت والمتغيرات
الأربعاء يناير 30, 2013 7:04 pm من طرف Admin

» المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .. ولماذا ؟
الأربعاء يناير 30, 2013 6:59 pm من طرف Admin

» مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة
الأربعاء يناير 30, 2013 6:54 pm من طرف Admin

» مجموعة الرسائل للامام حسن البنا
الأربعاء يناير 30, 2013 6:47 pm من طرف Admin

تصويت

مارأيك فى قرارات الرئيس وعزل النائب العام ؟
100% 100% [ 1 ]
0% 0% [ 0 ]
0% 0% [ 0 ]
0% 0% [ 0 ]

مجموع عدد الأصوات : 1

حوض اسماك


    رسالة الأسبوع من 2012/12/27 حتى 2013/1/17

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    رسالة الأسبوع من 2012/12/27 حتى 2013/1/17

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء يناير 22, 2013 2:34 pm

    عذرا لتأخرنا عليكم بسبب انشغالنا ننشر لكم رسالة فضيلة المرشد منذ 2012/12/27 حتى 2013/1/17
    واجِبُ الوقت.. حَمْل هَمِّ الأُمَّة
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد..



    ضرورة العمل لرفع شأن الأمة:

    العاملون دائمًا على موعد مع ربهم بالسعي الحثيث لتحقيق أهدافهم السامية، وعلى موعد من ربهم والتأييد والنصرة بالجزاء، ولقد صدقت فيهم حكمة الصادقين: "لكلِّ وقتٍ عَمَل.. ولكلِّ زمنٍ فَرْض"، فهم وحدهم الذين يُحوِّلون النظرية إلى تطبيق، والشعار إلى ممارسة؛ وذلك لأنهم يحملون الإسلام، بقرآنه العظيم وسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، رائدهم في التنفيذ نداء مخلص: "لا ينبغي لحامل القرآن أن يجهل إذا جَهِل الناس"، ومكانتهم في قوله تعالى: (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، وانتماؤهم لأمة أخرجها الله تعالى للناس عامة، وليس لنفسها، يقول تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110)، ومن ثَمّ أوجب الله عز وجل على العاملين المخلصين، والساعين الصادقين، الوقوف أمام أصوات الفساد والكذب، والتصدِّي للمؤامرات الشيطانية التي يقودها إبليس، فكل الآلات مُباحة في شريعة الشيطان، من القتل والفتك والتَّدمير والإهلاك والتخريب، أما الكذب والتدليس واتهام البرآء فحدِّث ولا حرج- إلا من رحم الله- الذين يواجهون الآلات الفاسدة، بأخذ الناس إلى ربهم، وأسوتهم في ذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدَّوابّ التي تقع في النار يَقَعْن فيها، فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها" (رواه مسلم)، والقائل: "مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ" (رواه الإمام أحمد)، بل انطلق الأُسْوة صلى الله عليه وسلم مشفقًا على غير المسلم قبل المسلم، وكذلك الاهتمام بغير الملتزم أكثر من الملتزم، وأن الأول أولى بالرِّعاية لخطورة حالته بعيدًا عن الله عز وجل رحمة به وشفقة عليه، حتى الشَّاب الذي جاء طالبًا الإذن بالزنى، يرفع النبي صلى الله عليه وسلم من شأنه ويُعلي من إيمانه، ويسلك معه سبيل الحوار الهادئ، حتى أصبح الزنى أبغض الأشياء إلى نفسه، بشهادة الشابّ الذي تحوَّل إلى إنسان كامل التوجُّه والعمل، وهذه مهمة العاملين على الدوام.



    ولا يوجد أصعب من حالة قاتل المائة نفس من بني إسرائيل، وأحسن من الفقيه الذي هو أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، أَحسَّ بمسئوليته كمُرَبٍّ وداعية عن حالة هذا المتمادي في المعصية عمرًا طويلا، والمُصِرّ على التوبة إصرارًا شديدًا.



    بروح الشريعة قبل أحكامها تتقدم الأمة:

    يقول تعالى: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، فأبناء الأمة من هذا الباب، يقدِّمون هذه الوسطية- التي هي روح الشريعة- في الفهم والفكر والممارسة والتطبيق، إلى كل العالم اليوم، بالاصطفاف الإسلامي والوطني معًا، وتضييق كل الثغرات كلما لاحَ في الأفق خلاف، والأخذ برفق على من يقوم بتوسيعها، وعدم إهدار الأوقات دون تحقيق حوار جاد، يسلك بالوطن طريقه للاستقرار والأمان، بعيدًا عن التعصُّب الممقوت، والاستعلاء المبغوض، والنَّشوة الكاذبة، والانتقام المشين، بل بالتسامح والعفو والتواضع، وانكسار الجميع أمام ربِّ العزة والكبرياء، يقول تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي...) (يوسف: 108)، وكذلك بتأسيس جيل وطني يُقدِّم مصالح الأمة فوق المصالح الشخصية والحزبية، فالوطن أولاً، ومصر فوق الهامات، فالأمة أبقى من كل شيء، أفرادًا وجماعات وأحزابًا وهيئات، ولنا مثل في المصريّ المؤمن من آل فرعون الذي حمل همَّ الأمة لم يقف موقفًا سلبيًّا عندما يقعد الجميع، في قوله تعالى: (يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا) (غافر: من الآية 29).



    فالالتفاف حول روح الشريعة، بهذه المعاني، هو واجب الوقت اليوم الذي هو مقياس دقيق لكل فرد في حرارة حبِّه للوطن، والممثَّل في إيمانه بمستقبل مشرق، ويقظته للتحديات، وانتباهه للمكائد، وتصدِّيه للمؤامرات، يقول ابن القيم رحمه الله مُلخِّصًا واجب الوقت في: "إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه"، فأبناء الأمة يستمدُّون من روح الشريعة روحًا معنوية، وحراكًا اجتماعيًّا، وخريطة واضحة لفقه الأولويات؛ حتى لا يبدأ بمخالفة أسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم "خاطبوا الناس على قدر عقولهم.. أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله"؛ لأن الأسلوب قد يكون مُنفِّرًا وليس مُحبِّبًا، كما قال ربّ العزَّة في حديثه القدسي: "حبِّبوني إلى خَلْقي"؛ لمواجهة حملات التشويش والتشويه التي لا تنقطع، وصدِّ مكائد التضليل والإحباط التي لا تهدأ، ولنا أسوة حسنة في الحبيب صلى الله عليه وسلم بالعمل وعدم إعطاء المخالفين فرصة للهجوم، فالقرآن يقول (ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108)، كما كان ردُّه العملي على حديث الإفك أن شغل المسلمين الذين كانوا سببًا في المشكلة أن ينشغلوا بالعمل، فحملهم على الدوابّ إلى أن بلغ بهم الجهد، فسكتوا عن الكلام واللغو والإفك بالعمل النافع.



    واجبات عملية لكل ساعٍ من أبناء الأمة:

    - يظمأ لكي يروي الناس، ويسهر لكي يناموا، ويجوع لكي يشبعوا، ويتعب حيث يستريحون، ويُقْدِم حيث يُحجمون، عن عليٍّ رضي الله عنه قال: "كنا إذا احمرَّ البأسُ، ولقي القومُ القومَ اتَّقَيْنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون منا أحدٌ أدنى من القوم منه"، وعن البراء رضي الله عنه قال: "كنا والله إذا احمرَّ البأس نتَّقي به، وإنّ الشُّجاع منا للذي يحاذي به صلى الله عليه وسلم".



    - يُقدِّم نفع الآخرين على نفسه، ويُقدّم خدمتهم على وقته، ومصالحه الشخصية والعالمية، خاصة أن كل فرد مسئول: "كُلُّكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، وهذا دَيْدَن الصادق حاكمًا أو محكومًا، تصف فاطمة بنت عبد الملك زوجها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فتقول: "كان قد فرَّغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنَه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه؛ وَصَل يومه بليلته".



    - ينشر الوعي والمعرفة بالرِّسالة عند أبناء الأمة، عَبْر كل الرسائل المتاحة؛ ليعرف المسلمون عظمة الإسلام الفكرية، وقدرته على حلِّ مشكلاتهم، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والتربوية والعمرانية؛ لكي يتفاعلوا بقناعة في نهضة أوطانهم واستقرارها.



    - يُعَرِّف أبناء الأمة بتاريخها المجيد، ويزيح عنهم الإحساس بالنقص الذي ينشره اليائسون، ويُنمِّي الشعور بالمسئولية الذاتية، وعلى لسانه صوت الحق، في قوله تعالى: (وقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: 38).



    يقول الشاعر وليد الأعظمي:

    كُنْ مشعلاً في جناحِ ليلٍ حالكٍ يَـهدي الأنـامَ إلى الهدى ويُبِيـن

    وانْشَطْ لدِينك لا تَكُنْ مُتكاسـلاً واعمل على تحريك ما هو ساكنُ



    وختامًا.. لكي نرفع الأمة لا بد من حمل هَمِّ الأمة:

    فيقف كل منا أمام هذه التساؤلات، ويسمع صوت ضميره؛ لينطلق خادمًا لأمته وحاملاً لدعوته، وناشرًا لرسالته:



    - ما الهمُّ الذي أحمله؟..



    - هل يعتمل همَّ الإسلام في صدري؟..



    - هل يعتلج همَّ الدعوة إلى الله بين جنبيّ؟..



    - هل أتألم عندما أرى المصائب والنَّكبات تَحُلّ بالأمة؟..



    - هل طغت همومي الشخصية لأكون مجرد رقم في تِعداد هذه الأمة؟..



    - هل تخرج من عيني دمعة عندما أرى ما حلَّ بأمتنا؟ أم أن هذا لا يحرك فيّ ساكناً؟..



    فما علينا اليوم، إلا أن ننطلق نبغي الأجر من الله عز وجل، آخذين بكل أسباب النصر، والله لا يضيع أجر المخلصين، عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم العُذْر" (رواه مسلم).



    يقول الإمام البَنَّا رحمه الله واصفًا النموذج الذي يُؤدِّي واجب الوقت والذي أسماه فريضة: "إن هذه الفريضة تحتاج منكم نفوسًا مؤمنة وقلوبًا سليمة، فاعملوا على تقوية إيمانكم وسلامة صدوركم، وتحتاج منكم تضحية بالمال والجهود، فاستعدُّوا لذلك فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باق، وإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم جَنَّة عرضها السموات والأرض".



    والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.



    القاهرة في: 5 من ربيع الأول 1434هـ، الموافق 17 من يناير 2013م


    المشاركة المجتمعية في بناء الأمة
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد....،،


    فإن الأمة الإسلامية تمرُّ بمرحلةٍ فاصلة في حياتها ترسم من خلالها نهضتها ومستقبلها، وتحدِّد مكانتها بين الأمم، وترسم معالم الهوية الإسلامية التي يجب أن تكون قاطرة للعالم لتخلصه من آلامه وشقائه، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وجوره واستبداده وطغيانه، وتوقف نزيف الدم الذي لم ينقطع؛ بسبب سياسة الكيل بمكيالين، والتمييز العنصري المقيت، والصراع على المصالح والاستيلاء على مناطق النفوذ، وأماكن الثروات والكنوز البترولية والمعدنية والزراعية وغيرها؛ حيث إن الإنسان قد وضع نظامًا من عنده يتحكم في غيره من البشر لتحقيق مصالح ضيِّقة.



    والإسلام حين يُطهِّر العالم من هذا الفساد فإنه ينشر على البشر راية العدل والرحمة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية دون تفرقة بين البشر لا بجنس ولا لون ولا طبقة ولا دين؛ فالكل أمامه سواء؛ لأن الذي أنزله هو خالق البشر جميعًا، (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) (تبارك: 14)، وهو الرحمن الرحيم، والحكم العدل الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس: 44).



    أيها المسلمون في كل مكان:


    لقد هيَّأ الله عز وجل لنا هذا الدين وأكمله ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين، وأحكم التشريع، وسهَّل الأحكام، وجعلها من الصلاحية لكل زمان ومكان، بل الأهلية لإصلاح الإنسان في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة؛ حيث إنها الرسالة الخاتمة للبشرية بحيث يتقبلها العالم وترى فيها الإنسانية أمنيتها المرجوة وأملها المنتظر، وإن مبادئ الإسلام وتعاليمه ظلَّت قوية في ذاتها، فيَّاضة بالخصب والحياة، جذَّابة أخَّاذة بروعتها وجمالها، وستظل كذلك؛ لأنها الحق، ولن تقوم الحياة الإنسانية كاملة فاضلة بغيرها؛ ولأنها من صنع الله وفي حياطته: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).



    لقد آمنا إيمانًا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي، بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذَّبة وترشد الإنسانية الحائرة وتهدي الناس سواء السبيل، ألا وهي الإسلام الحنيف الذي أكمله الله تعالى وأتمه ورضيه للناس أجمعين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) (المائدة: 3)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا...) (الأعراف: 158).



    أهمية الاقتصاد في حياة الأمة:

    ولما للمال والاقتصاد من أهمية في حياة الأمم ونهضتها نرى أن رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقام المسجد وأنشأ السوق، وقال: هذا سوقكم، وكانت قريبة من سوق يهود بني قينقاع، فأقبل كعب بن الأشرف فدخلها، وقطع أطنابها، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: "لا جرم، لأنقلنَّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا"، فنقلها إلى موضع سوق المدينة. ثم قال: هذا سوقكم، لا يحجر، ولا يُضرب عليه الخراج، وتم تطبيق كل صور البيوع الإسلامية الحلال لتقديم البديل الصالح في مواجهة كل صور بيوع الغش والتدليس والربا في سوق اليهود بالمدينة المنوَّرة، وقد ذهب الزَّبَد وبقي ما ينفع الناس، ومحق الله الربا وأربى الصدقات "أي ضاعف الجزاء عليها".



    ما أعظم هذا الدين الذي يوازن بين الدين والدنيا؛ وبين مطالب الروح ورغبات الجسد..



    الاقتصاد والرفق في المعيشة


    أيها المسلمون: إن بناء أمتنا اقتصاديًّا يحتاج منا إلى أن نرشد إنفاقنا وألا نسرف في نفقاتنا، وإنما نكون كما أمرنا ربنا في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67).



    والاقتصاد في المعيشة جزء من صفات النبوة.. قال النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "لسَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالاِقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ".



    والاقتصاد في النفقة علامة فقه الرجل عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". كما أن المقتصد لا يحتاج لأحد، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". أَي مَا افْتقر من لَا يسرف فِي الْإِنْفَاق وَلَا يَقتر. وقال صلى الله عليه وسلم: "من اقتصد أغناه الله، ومن بذَّر أفقره الله، ومن ذكر الله عز وجل أحبه الله". وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سُئِل: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ".



    وإن تعجب فعجب أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بعدم الإسراف في الماء، وترى من بين المسلمين من يرمي على الأرض طعامًا كثيرًا ومن حوله من لا يجد ما يسدُّ به رمقه، وكأنه لم يسمع لقول رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ".



    لأن بدايات التبذير هي إيحاءات شيطانية حتى يصل صاحبها إلى أن يكون للشيطان وليًّا (إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء: 27).



    نِعْم المال الصَّالح للعبد الصالح:


    ولقد ضرب سيدنا عثمان رضي الله عنه مثلا واضحًا، ومواقف عظيمة في إنفاق ماله لمصالح المسلمين ومنافعهم، ونصرة الإسلام وتجهيز الجيش، فمن عظيم أعماله أنه كان بالمدينة بئر ليهودي يبيع ماءه للمسلمين فلما قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ، بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ"؟ فَاشْتَرَاهَا عثمان مِنْ صُلْبِ مَالِه". وقوله: "دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ" يوقفها ويكون نصيبه منها كنصيب غيره من المسلمين دون مزية.



    وقال عثمان لما ضاق مسجد المدينة بالمسلمين: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ؟" فَابْتَعْتُهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنِّي ابْتَعْتُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ، قَالَ: "فَاجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا وَأَجْرُهُ لَكَ".



    وفي غزوة العسرة قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ يُجَهِّزُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ؟" فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ عِقَالًا وَلَا خِطَامًا".



    الإسراف في الوقت:


    واحذروا أيها المسلمون من أن تسرفوا في أوقاتكم وتضيعوها فيما لا فائدة فيه، فإن الوقت هو الحياة ولا يمكن استرجاعه، وعمرك ينتهي بمروره! وهو رأس مالك في هذه الحياة، فلا تصرف جزءًا منه من غير فائدة وعمل تنتفع به في الدنيا والآخرة، ويعود عليك وعلى أمتك بالخير والنفع، واعلموا أن الواجبات أكثر من الأوقات، فعاون غيرك على الانتفاع بوقته، وإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها.



    التعاون بين الأفراد:


    قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2).



    هذه الآية ترسم السبيل السَّويّ للعلاقة بين أبناء الأمة؛ لرفع شأنها والوصول بها إلى بر الأمان، ومُلخصها في أمرين:


    - التساند بين أبناء الأمة في عمل الخير ونشر المعروف بين الناس، مشيرًا إلى ذلك بالبر والتقوى..


    - خُذلان دعاة الإثم والعدوان، وألا تمتد إليهم يد للمساندة أو التعاون، فضلاً عن النصح بكفِّ الأيدي عن الأذى.


    وهذا سرُّ خيرية الأمة الإسلامية، وأساس رسالتها التي تقوم على:


    - دعوة الناس جميعًا لعمل الخير والمعروف وكل ألوان البر.


    - إزالة الظلم والمنكر بالنصح والإرشاد والحكمة وتطهير المجتمع من المعاصي..



    وقد جاء ذلك ملخصًا في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110). كما جاء التحذير للأمة من المنافقين الذين يحملون رسالة الهدم للخير، وبناء صرح المنكر، وفي هؤلاء يقول الله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) (التوبة: 67).



    وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصوِّر لنا الواقع في صورة بليغة معبِّرة، قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟" قَالُوا: وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَشَدُّ مِنْهُ سَيَكُونُ"، قَالُوا: وَمَا أَشَدُّ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَرَأَيْتُمُ الْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا؟" قَالُوا: وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَأَشَدُّ مِنْهُ سَيَكُونُ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف"، قالوا أو كائن ذلك يا رسول الله قال: "والذي نفسي بينه وأشدُّ منه سيكون"، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "بِي حَلَفْتُ، لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَصِيرُ الْحَلِيمُ فِيهِمْ حَيْرَان".




    وبالتعاون بين أفراد الأمة يمكننا الخروج مما يحيط بنا من فتن، ونقدر على اجتثاث بذور الفساد، وغرس أشجار الخير والمعروف، وتحويل الطاقات الخاملة إلى طاقات منتجة، وسدّ العجز في بعض المهارات التي يحتاجها المجتمع، ومن الجهود المتضامة، والخامات المبعثرة نستطيع أن نشيد اقتصادًا متينًا وأمة حيَّة قوية، ونحن أمة التكافل والتكامل، ولا عجب في ذلك، ألا ترى أن الأنهار التي تجري من حولنا ليست إلا قطرات المطر تجمعت وشقت لها طريقًا؛ لتمنح الحياة في كل أرض سارت فيه، "فلا يحقرنَّ أحدكم من المعروف شيئًا".




    ويضرب لنا القرآن الكريم المثل الحي الواضح في قصة بناء ذي القرنين للسدِّ في تجميع الطاقات والجهود، وتوظيف القدرات والإمكانات، والاستفادة الكاملة من الخامات في قصة بناء ذي القرنين للسدِّ الذي أمَّن الناس من المخاوف: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (الكهف:94 - 96). ردَّ عليهم عرضهم المالي، ووظَّفهم في تجميع الحديد والنفخ وصبِّ النحاس المذاب، وشيَّد سدًّا وردمًا متينًا يستعصي على التسلُّق أو النَّقب..



    وفي المجتمع من حولنا خامات كثيرة مبعثرة وطاقات نائمة أو عاطلة لو أنها تحركت واستفادت من المواد والخامات والطاقات، وقد قال العلماء: إن أسباب النجاح بفضل الله تعالى يتحقق بثلاث ركائز "إخلاص النيات وتوظيف الطاقات وحسن استغلال الأوقات"؛ لتحققت نهضة ولنهضت بالأمة، وإن من أعمال الصدقات أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق: عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: "تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: "تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ".





    اعمل ودع غيرك للعمل:


    ولا يصحُّ أن نُلقي بتبعة الارتقاء بالأمة والنهوض بها على الدولة، أو المؤسسات، ونقف موقف المتفرج، أو تستمر ثقافة أن البلد بلدهم التي كانت وقت النظام البائد تدفع إلى السلبية وعدم الولاء أو الانتماء، وأيضًا كل المجهودات التطوعية كانت معطَّلة أو يتم محاربتها، ولا بد أن يتم تغيير هذا الشعور، وتنطلق كل الطاقات في عصر الحرية والولاء والانتماء لمصر الثورة ولمشروعها العظيم، وعلينا الآن أن نملك زمام المبادرة، ويتقدم كل مواطن بما يملك وبما يستطيع من عمل صالح ينفع الناس ويعود عليهم بالخير، ومن لا يستطيع ذلك فليحثّ غيره على العمل والمساهمة في البناء، ألم نسمع لقول الله تعالى مبينًا سبب دخول النار: (إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الحاقة: 33 - 34)، أي أنه قد خلا قلبه من الإيمان بالله سبحانه، والرحمة بالعباد؛ حيث لم يحض على طعام المسكين، وهي خطوة وراء إطعامه. تُوحِي بأن هناك واجبًا اجتماعيًّا يتحاضّ عليه المؤمنون، حتى كل غير القادرين يحضُّون غيرهم من القادرين، ويكونون همزة وصل بين القادر والمحتاج.



    يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: "إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس، ولا تُغني فيه مظاهر العبادات والشعائر، ما لم تكن صادرة عن إخلاص لله وتجرد، مؤدِّية بسبب هذا الإخلاص إلى آثار في القلب تدفع إلى العمل الصالح، وتتمثل في سلوك تصلح به حياة الناس في هذه الأرض وترقى.



    كذلك ليس هذا الدين أجزاء وتفاريق موزَّعة منفصلة، يؤدي منها الإنسان ما يشاء، ويدع منها ما يشاء.. إنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره، وتكاليفه الفردية والاجتماعية، حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود كلها على البشر.. غاية تتطهَّر معها القلوب، وتصلح الحياة، ويتعاون الناس ويتكافلون في الخير والصلاح والنَّماء.. وتتمثل فيها رحمة الله السابغة بالعباد".

    التكافل بين أبناء الأمة:



    والتكافل الاجتماعي أساس متين لمواجهة الشدائد التي قد تعترينا ونحن نسترد حريتنا، حيث يجب علينا أن يفيض بعضنا على بعض وأن يواسي بعضنا بعضًا، والواجد يحمل الفاقد، ومن له فضل يمنحه لغيره، وما أجمل هذه النصيحة النبوية للأمة.. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ"، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ". وهذا أيضًا بين كل الجيران مهما كان موقفهم منك ومعاملتهم لك "ليس منا من بات شبعان وجاره جَوعان وهو يعلم".



    إن أبناء الوطن جميعًا يجب عليهم أن يتعاونوا فيما بينهم، ويساهموا في حلِّ ما يعترضنا من مشاكل أو يواجهنا من صعوبات تراكمت من الحكم السابق الفاسد، ويعمل الكثير على أن يجعل منها عقبة كئودًا في بناء الأمة ونهضتها، ونعمل جميعًا على أن نمسح عن الناس آلامهم، ونسدّ جوعتهم، ونكسوا عريانهم، وما أعظم المنهج النبوي في ذلك، فقد دخل عليه قوم وآثار الفاقة بادية عليهم فتغير لونه وتبدَّل حاله وأمر بالنداء، ثم خطب المسلمين فقال: "تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ".



    وصية للإمام الشهيد تتجدد مع الثورة

    أيها الإخوان المسلمون:

    لا تيئسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد. ولا زال في الوقت متَّسع، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد. والضعيف لا يظلّ ضعيفًا طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 5).

    إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة، وإن العالم ينظر دعوتكم دعوة الهداية والفوز والسلام؛ لتُخَلِّصه مما هو فيه من آلام، وإن الدَّور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وترجون من الله ما لا يرجون، فاستعدوا واعملوا اليوم، فقد تعجزون عن العمل غدًا.



    لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريَّثوا وينتظروا دورة الزمان، وإني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا فليس مع الجهاد راحة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(العنكبوت: 69) وإلى الأمام دائمًا..




    والله أكبر ولله الحمد.

    القاهرة في: 28 من صفر 1434هـ، الموافق 10 من يناير 2013م.


    بالشكر تدوم النعم وتزداد



    واجب اليوم شكر المُنْعِم:


    فإن القلوب لتهفو إلى بارئها في كل لحظة، تنطق بحمد المنعم تعالى، على جميل نعمائه، وعظيم عطاياه، وكريم تأييده، يقول تعالى: (وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَةً) (لقمان: 20)، فمنذ ثورة الشعب المصري ونعم الله تعالى تَتْرى على مصرنا الحبيبة، تخرجها من كل غبراء مظلمة، وتدفع عنها كل بلاء، وتكشف بآياته الناصعات مكر الماكرين، وتظهر بالبراهين الواضحات كيد الكائدين؛ لتضع مصراليوم قدميها بخطى واثقة ثابتة على أول طريق الاستقرار والبناء والإنتاج، وتعود إلى ريادتها للأمة، وقيادتها لحرية الشعوب، وتتبوَّأ مكانتها على مستوى العالم أجمع؛ مما أوجب على الصادقين الشرفاء أن يتَّجهوا إلى الله تعالى شاكرين لنعمائه؛ ليجلبوا المزيد من فضل الله ونعمه وتدوم لهم النعم السابقة (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، وقال تعالى:(وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 145)، ولولا أن الشاكر حبيب رب العالمين ما قطع الشيطان وجنده الذين لا يهدءون لحظة طريق الحامدين، فقال لرب العالمين: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وعَن شَمَائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 17).



    الشاكرون على مزيد:


    ونحن على ثقة بهذا المزيد الذي يستقبل الأمم الناهضة.. حريةً وأخلاقًا ونهضةً وعلمًا وتثبيتًا وأمنًا واستقرارًا، ما داموا يُقِرُّون بأن هذه النعم من المولى وحده لا شريك له، وليست بيد أحد مهما أوتي من قوة وسلطان، يقول تعالى: (ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل: 53)، واليوم ليس أمام الأمة وهي تتَّجه بالحمد على نعم الله عليها، إلا سبيل من ثلاث:



    الأول: المزيد من العمل


    فالإنتاج والعمل هما شعار المرحلة، وعدم التوقف عن البناء لحظة هو جوهر المرحلة، وهذا هو النوع العملي لمعنى الشكر، يقول تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ: 13)، فروح الشكر في المزيد من العمل، فعندما رُوجِع النبي صلى الله عليه وسلم في مشقته على نفسه في العبادة واجتهاده، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"، فأخبر أن المجاهدة، وحسن العمل شكر لله عز وجل، وتلك حقيقة الشكر.



    الثاني: المزيد من التقوِّي والعطاء المعنوي والمادي


    فخير ما يبدأ به الشاكر لربه على نعمائه أن يقدم بين يدي ربه ثمن الشكر، في المزيد من التقوِّي، بإظهار التواضع، وترك حظ النفس، والبُعْد عن التزاحم على المطامع الشخصية، يقول تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران: 123)، وشكر الله يتطلب العطاء من النعمة لمن حُرِم منها، فمثلاً إذا رزقك الله سبحانه حلمًا وصبرًا وجب عليك أن تجود به على من فقد الصبر أو ضاق بالبلاء، ويأتي أيضًا الإنفاق من الماديات كدليل على شكر النعمة في المرتبة الثانية، فمن أهمية الإنفاق والبذل ينبِّه الرسول صلى الله عليه وسلم أن "من كان عنده فضل زاد فليَعُدْ به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر (مواصلات) فليَعُد به على من لا ظهر له..."، والأمة تحتاج من كل القادرين والمُوسرين في ظروفنا الاقتصادية الصعبة أن يجودوا بالنعم على مستحقيها (والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ) (المعارج: 24-25).



    الثالث: المزيد من الصبر


    الصبر على تكاليف العمل، ودفع ضريبة البذل والعطاء، وعدم استعجال الثمار، والسير بخطوات متدرجة، فالصبر والشكر يسيران معًا، ولا يكتمل أحدهما إلا بالآخر، فالصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل، والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد، يقول تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (إبراهيم: 5)، وصيغة المبالغة في الصبر والشكر تحتاج من الأمة أن تحقق المعنى والجوهر، في العمل والأداء والإتقان، فإن كان الصبر واجبًا عند البلاء والمحنة، فالصبر عند الرخاء والمنحة هو عين الشكر وسعي الشاكرين؛ لذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامع المانع: "اللهم اجعلني لك صبَّارًا، لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، واجعلني إليك أوَّاهًا منيبًا".



    دوام النعم بالمحافظة عليها وشكر واهبها:


    لا ملجأ ولا منجى لأبناء الأمة وحملة الرسالة، إلا بالتوجه الصادق لله تعالى، حتى نحافظ على نعمائه، وهذا خير ما يقتنيه العقلاء؛ لأنه أغلى وأعز من كل كنوز الدنيا؛ ففي الحديث عن ثوبان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حين نزل قول الله في الكنوز، سأله عمر: أي المال نتخذ؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "ليتخذ أحدكم لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا" (رواه أحمد)، واللسان الذاكر يشمل في هذا الزمان الإعلام الهادف الذي ينشر الأمل، ويبثّ التفاؤل، ويغرس في الأمة روح العطاء والبذل والعمل، والقلب الشاكر هو فؤاد الأمة ووجدانها الذي يعرف بأن النعم من المنعم لا غير، فيزداد لله شكرًا وتفضلاً وإنعامًا.



    ولنا في قول الله عز وجل العبرة والعظة لدفع الضر وجلب المنفعة منه وحده لا شريك له (وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام: 17)، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى لزوم الاستغفار لتحقيق ذلك عمليًّا بتعبير نبوي شريف جامع للكلام كله "لَزِم"، أي داوم وتمسَّك وعايش وتعلَّق، وليس استغفر بلسانه فقط وقلبه غافل "من لَزِم الاستغفار جعل الله له من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍّ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".



    ومع القلب الشاكر واللسان الذاكر لا بد من شمول معنى النعم كل الأعضاء، فالصحة والعافية والأرزاق والمال والأولاد والممتلكات نِعَم تستوجب الشكر، ولا بد أيضًا الإحساس بالنعم السلبية التي عافاك الله بها مما ابتلى غيرك، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى أحدًا ابتلاه الله قال: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من خَلْقِه"، فهو شكر على نعم أخرى بالمعافاة من ابتلاءات الآخرين.



    وكل هذا دليل قاطع على ضرورة ربط شكر اللسان مع شكر القلب، سواءً بسواء، ويكون عمل الجوارح مترجمًا حقيقيًّا لهذا النبع الصافي من الشكر الذي يضخُّه القلب مع الدم، فتتحرك كل الأعضاء بالعمل الصالح المعبِّر عن الشكر لله وعلى نعم الله والفيوضات على خلق الله سبحانه وتعالى، وهذا الصنف فعلاً يصبح نادرًا بين جموع الشاكرين (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13).



    نسأل الله تعالى لأمتنا نصرًا قريبًا، ولمصرنا الحبيبة أمنًا واستقرارًا، وأن يُوحِّد القلوب على حمده، ويوفِّق الألسنة بشكره، ويرزقنا جميعًا العمل الصالح الذي يحقق رضا رب العباد، وأن يجمعنا على مفتاح كلام أهل الجنة في قوله تعالى: (وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) (يونس: 10).



    والله أكبر ولله الحمد

    القاهرة في: 21 من صفر 1434هـ، الموافق 3 يناير 2013م.

    الأمة تنهض وتبني مستقبلها
    لحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

    فإن لمصر منزلة كبيرة في قلب الأمة العربية التي هي مهد جميع الأديان، وهذه المنزلة العظيمة تمتد إلى قلوب الأمة الإسلامية كلها، والجميع يتفق على أن في نهضة الأمة المصرية نهضة للأمة العربية، وعونًا وعزًا ومددًا بعناصر القوة للأمة الإسلامية، ولذلك لا عجب حين نرى أن جميع المسلمين أينما وجدوا يرفعون أكف الضراعة بالدعاء لمصر بالنصر لثورتها المباركة، وبحفظ أبنائها من الفتن، وأن يوِّحد الله صفهم، ويجمع كلمتهم على ما فيه نهضة مصر ورفعتها؛ لتكون سندًا للأمة؛ وليمتد خيرها لجميع الناس، ولترسم الطريق السوي لكل طلاب الحرية والعزة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بما تقدمه من ثورة قدمت نموذجًا جمعت فيه كل أبناء الأمة: المسلم والمسيحي، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والجميع في ميدان واحد، في صورة تكافلية سلمية بيضاء، خالية من كل وسائل العنف أو القتل أو الحرق، في مظهر بهر العالم كله، وشهد بها القاصي والداني، ما عدا مشهد الإجرام من الثورة المضادة الذي شهد عليه أيضًا العالم كله، والذي كان سببًا بفضل الله في استمرار تأجج لهيب الثورة حتى الإطاحة برأس الفساد.


    وإن من أخطر العوامل المعوقة للأمة- وهي في فجر نهضتها- اختلاف الدعوات، واختلاط الصيحات، وتعدد المناهج، وتباين الخطط والطرائق، وكثرة المتصدين للتزعم والقيادة، وكل ذلك يفرق الجهود ويشتت القوى، ويتعذر معه الوصول إلى الغايات، ونحن نتقدم للأمة بهذه الخطوط العريضة التي تشكل مخرجًا من الحالة التي نحن عليها، كما أنها تمثل أساسًا نبني عليه نهضتنا ونلخصه في:


    أولاً: نسيان الماضي

    أيها الشعب المصري العريق: بعد أن أقرت الأمة دستورها، وبعد أن تجاوزنا هذا الموقف الحساس، الذي ظن البعض أنه سيقود إلى حرب بين أطياف الشعب الواحد المتحد، بل لا أتجنى إذا قلت إن البعض تمنى هذا وراهن عليه، فإذا أنت أيها الشعب العظيم تخيِّب آمالهم وتبدد ظنونهم، وتلقن العالَم درسًا باستفتاء يمضي في سلم وسلمية، ونزاهة وشفافية، لم تعرفها مصر من قبل، وبنسبة تفوق جميع استفتاءات دساتير العالم.


    إن دورنا جميعًا في المرحلة القادمة أن ننسى ما مضى، بعد أن أخذنا منه دروسًا وعبرًا ننتفع بها في بناء مستقبلنا، وأعظم درس من تلك الفترة أن الشعب أدرك أن ما وقع فيها من أحداث مؤسفة، لا يمثل حقيقة واقع مصر، ولا يعبر عنها، وقد لعبت فيها أيدٍ في الداخل والخارج لا تريد لمصرنا العزيزة أن تقوم لها قائمة، أو أن تكون لها سيادة على أرضها، أو أن ينتفع أبناؤها بخيرها.. وأن أموالاً طائلة سرقت من أقوات هذا الشعب أعيد ضخها لتشعل الفتنة والحرب بين أبناء الأمة، ولكن الله أطفأها، وصدق ربنا: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة: 64). (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ..... ) (الأنفال: 36).


    أيها الأحباب الأعزاء: لا تلتفتوا إلى الوراء، وانبذوا الماضي خلف ظهوركم، ونحمد الله إذ أنجانا، ونوقن أنها كانت خيرًا للأمة؛ حيث إنها كشفت لنا الكثير مما نحتاج إليه، ونحن نعمل لبناء أمتنا.


    ونكرر تأكيد أن الواجب على الأمة أن تتصالح فيما بينها، وأن تنسى خلافاتها، وأن تتوقى الدخول في تصفية حسابات، أو محاولة الانتصار للنفس، ولا تأخذنا العزة بالإثم، ولنعمل بجد على نزع فتيل معارك الاستنزاف المتبادلة؛ لأن ذلك يضر ولا ينفع، ويفرِّق ولا يجمع، ويبدد الجهود والطاقات فيما لا طائل من ورائه، ونحن في حاجة ماسة إلى توحيد الصفوف وجمع الشمل، وتوظيف الإمكانات ومقدرات الأمة إلى الخير والعمل الصالح.


    ثانيًا: بالتعاون ننهض ونبني الأمة

    وجدير بالأمة التي حققت بوحدتها إسقاط رأس النظام، وتسعى لاجتثاث بقايا جذور الفساد، وتجاهد لبناء صرح الأمة ببناء مؤسساتها وإرساء دعائم أركانها، جدير بأمة هذا شأنها أن تستيقن أن ذلك لن يتحقق، إلا بالاتحاد والتعاون، وتجميع الجهود، والبعد عن التفرق والاستقطاب الطائفي، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وأن يعلم كل فرد في هذه الأمة أننا جميعًا في سفينة واحدة، ويجب علينا ألا نترك لفرد أو طائفة فيها أن يخربها؛ لأن الضرر سينزل بالجميع، وهذا مثل نبوي يشخص لنا هذا في أجمل صورة فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا".


    ومن مجموع الأفراد تتكون سفينة النجاة للمجتمع، وما أشبه هذا التجميع للأفراد بالمهندس الذي يحكم سفينة ضخمة عملاقة من مواد مختلفة في خصائصها وتركيبها وحجمها، لكن في نهاية الأمر تصبح هي الأمل لنجاة مجتمع يغرق في سيول من الفساد تكاد أن تأتي على الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر.


    وبتصوير آخر: فإن الأمة كائن حي يمثل كل فرد فيها عضوًا أو خلية من الجسم، ولكلٍ وظيفة ورسالة يؤديها، حتى تنهض الأمة، وتسترد عافيتها وقوتها، وإن توقف أي عضو عن أداء دوره يؤثر على حركة الجسم، ويقعده عن القيام برسالته، كما أن كل صراع بين أعضائه معناه الانتحار دون شك، وهذا ما حذرنا منه ربنا فقال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46).


    ثالثًا: الأمل الواسع

    إن الأمة في وضعها الراهن تحتاج إلى الأمل الواسع الفسيح، الذي يدفع إلى العمل، وقد أمدنا القرآن بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة المتعثرة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر والقنوط: (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)، كما يجعل القنوط من مظاهر الضلال: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ) (الحجر: 56).


    ومن يعمل لإرضاء الله ولمصلحة الأمة من كل الصادقين والمخلصين والوطنيين فإنه يجب عليه ألا ييأس من الإخفاق في بعض محاولاته، أو لأنه جرب مرة أو مرتين أو فوق ذلك، وإنما عليه أن يعاود الكرة مرات حتى يظفر بأمنيته، ويصادف بغيته؛ لأن من يقنط يفوته خيرٌ كثيرٌ، وكيف يقنط مؤمن أو ييأس ومعه عون الله، والأجر قد ضمنه الله (فقد وقع أجره على الله) خاصة أنه يعلم أنه ليس مكلفًا بالنتائج، لذلك فأمره كله له خير مهما كانت النتائج، فهو رابح على طول الخط، فهل بعد هذا ييأس أو يقنط أو يحزن أو يقعد.


    وكيف لا تتسع آمالنا، ونحن نقرأ قول الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) (القصص: 5-6). وقوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). (آل عمران: 139).


    وإن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير لا بد أن تخرج بعد ذلك أقوى الأمم إيمانًا وثباتًا وعزمًا على العمل، ولا بد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت، ومقارعة الحوادث مهما عظمت، حتى تظفر بما تصبوا إليه من آمال وطموحات وأهداف.


    رابعًا: الإيمان والإرادة والتضحية

    أيها الشعب المصري العظيم: حتى تقيم بناء أمتك، وتؤدي رسالتك، وتقوم بدورك الحضاري المنوط بك؛ كما قمت طوال تاريخك بهذا الدور وما زلت تقوم وستظل بإذن الله بنفس القوة والعزيمة والعظمة الحضارية؛ لا بد أن تتسلح بقوة نفسية عظيمة، عبر عنها الإمام البنا بقوله: "إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ: تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو الفئة التي تدعو إليه على الأقل، إلى "قوة نفسية عظيمة" تتمثل في عدة أمور:


    إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ولا خور، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ، وإيمان به، وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره".


    على هذه القوة الروحية الهائلة تُبْنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً.


    وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير، ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام: (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (يونس: 36).


    هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11).


    خامسًا: بنا

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 17, 2018 6:34 am